مراكش في ذاكرة الشعر…توقيع ديوان “Marrakech traces indélébiles” يوثق لنبض المدينة وتحولاتها
مراكش – محمد نماد
في زمن تتسارع فيه التحولات وتتلاشى فيه تفاصيل الذاكرة أمام إيقاع الحياة الحديثة، يظل الأدب من أبرز الوسائل التي تحفظ روح المدن وتعيد إحياء ملامحها الإنسانية والتاريخية. ومن هذا المنطلق، جاء ديوان “Marrakech traces indélébiles” ليعيد رسم صورة مراكش كما تعيش في وجدان أبنائها؛ مدينة تنبض بالحكايات وتحمل ذاكرة جماعية تمتد من الأزقة العتيقة إلى محطات التحول الاجتماعي والثقافي بالمغرب.

ويتضمن هذا العمل الأدبي، الصادر باللغة الفرنسية، الكثير من الحنين والوثائق والشهادات التي تستحضر زمناً مضى، لكنه ما يزال حاضراً في الذاكرة الجماعية. وقد جرى حفل توقيع الديوان الشعري “Marrakech traces indélébiles” (مراكش… آثار لا تندثر)، لمؤلفه أحمد أويامين، المعروف بلقب “المراكشي”، بمبادرة من جمعية قافلة الخير والتضامن، وسط حضور ثقافي وإعلامي وجمعوي وازن.
وشكلت الأمسية الثقافية مناسبة للاحتفاء بالذاكرة الجماعية للمدينة الحمراء، واستحضار مساراتها الإنسانية والتاريخية والثقافية، كما أتاحت الفرصة لتسليط الضوء على تجربة أدبية وإنسانية تستمد عمقها من الارتباط الوثيق بمدينة مراكش. فقد استطاع صاحب الديوان تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى نصوص شعرية نابضة بالإحساس والصدق، حيث تجسدت المدينة بأحيائها وأصواتها وروائحها وطقوسها الشعبية، وكأن القارئ يخوض رحلة مفتوحة في ذاكرة المكان والإنسان.
ويُعد أحمد أويامين من الأسماء البارزة في المشهدين الرياضي والتربوي بمدينة مراكش، إذ تألق خلال سبعينيات القرن الماضي رفقة فريق الكوكب المراكشي، قبل أن ينجح في التوفيق بين مساره الدراسي وشغفه الرياضي، في مرحلة اتسمت بإكراهات اجتماعية واقتصادية أثرت على توازن العديد من الشباب، خاصة خلال أواخر فترة الحماية وبدايات الاستقلال.
ويحمل الديوان عنواناً يعكس وفاء المؤلف لذاكرة المدينة وتفاصيلها الصغيرة التي شكلت وعي جيل كامل. فمن خلال نصوصه، يستعيد الكاتب ملامح طفولته بحي باب دكالة، أحد الأحياء العتيقة بمراكش، مستحضراً صور الحياة البسيطة، وعلاقات الجيرة، وأجواء الأسواق، وألعاب الأطفال، وقيم التضامن التي كانت تجمع أفراد المجتمع آنذاك.
واعتمد المؤلف أسلوباً يمزج بين الشعر والسيرة الذاتية والتأمل الوجداني، مستحضراً محطات من حياته الشخصية وتجربته الرياضية ومساره الدراسي، بما يمنح القارئ إحساساً بالقرب من النص، ويجعل من الذاكرة الفردية مرآة لذاكرة جماعية عاشتها فئات واسعة من المجتمع المغربي.
كما يسلط العمل الضوء على محطات تاريخية بارزة طبعت الذاكرة المغربية، من بينها مرحلة نفي وعودة الملك الراحل محمد الخامس، إلى جانب الأوبئة، وكارثة زيوت مكناس المسمومة، وفيضانات منطقة أوريكة. ولا يتناول الكاتب هذه الأحداث باعتبارها وقائع تاريخية فحسب، بل كجزء من الوعي الجماعي الذي ساهم في تشكيل ذاكرة المغاربة وأثر في تفاصيل حياتهم اليومية.
ولم يقتصر الديوان على الجوانب التاريخية والاجتماعية، بل تطرق أيضاً إلى بعض العادات والتقاليد المرتبطة بالحياة الشعبية، خاصة أساليب العلاج التقليدي بالأعشاب والنباتات العطرية. كما أن استحضار “الفراكة”، التي كانت تستعمل لعلاج الأطفال، يمنح القارئ لمحة عن بساطة الحياة الاجتماعية المغربية في تلك المرحلة.
وخصص المؤلف لساحة جامع الفنا حيزاً مهماً في الديوان، باعتبارها فضاءً رمزياً للتراث الشفهي، وملتقى للحكواتيين والفنانين الشعبيين، وذاكرة حية تختزن حكايات المدينة وروحها الثقافية. ويبرز هذا الاستحضار المكانة التي احتلتها الساحة في تشكيل الهوية الثقافية لمراكش، حيث تختلط الحكايات بالشعر والموسيقى وطقوس الحياة اليومية.
ويمنح هذا العمل الأدبي بعداً توثيقياً يتجاوز حدود الكتابة الشعرية، إذ يتحول إلى شهادة أدبية على تحولات المدينة والمجتمع المغربي عبر العقود. فالمؤلف لا يكتفي بسرد الذكريات، بل يعيد قراءتها برؤية إنسانية تستحضر أثر الزمن في تشكيل الوعي الفردي والجماعي.
ويعكس هذا الإصدار أهمية الأعمال الأدبية ذات البعد السيري والتوثيقي، باعتبارها وسيلة للحفاظ على الذاكرة الجماعية وتوثيق التحولات الاجتماعية والثقافية، كما يسلط الضوء على الدور الذي يضطلع به الأدب في حماية الهوية الثقافية وصون تفاصيل الحياة المغربية من النسيان، في وقت أصبحت فيه الحاجة ملحة لاستعادة ذاكرة المدن المغربية وتوثيق تحولاتِها الإنسانية والحضارية




