باحثو الصحراء المغربية يحتفون بمحمد بنطلحة الدكالي تقديرا لعطائه العلمي وحسه الوطني
في أجواء طبعتها مشاعر الوفاء والتقدير والاعتراف بالجميل، احتضنت مدينة الداخلة، يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، حفلا تكريميا على شرف الأستاذ الجامعي الدكتور محمد بنطلحة الدكالي، مدير المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء، تقديرا لمساره الأكاديمي والفكري، وعرفانا بحسه الوطني، ونبل تعامله الإنساني، وحرصه الدائم على احتضان طلبته ومواكبتهم علميا وإنسانيا، فضلا عن إسهاماته في تكوين وتأطير أجيال من الباحثين المنحدرين من الأقاليم الجنوبية للمملكة.
وجاء هذا التكريم بمبادرة من نخبة من الدكاترة والأساتذة الباحثين، خريجي كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية التابعة لجامعة القاضي عياض بمراكش، في التفاتة أكاديمية وإنسانية لقيت استحسانا وتقديرا، لما حملته من معاني الوفاء لأستاذ لم تقتصر علاقته بطلبته على حدود التأطير العلمي والإشراف الجامعي، بل امتدت إلى احتضان انشغالاتهم، ومساندة طموحاتهم، وتشجيع مبادراتهم، في علاقة قوامها الثقة المتبادلة والاحترام والتقدير.
واكتسبت هذه المبادرة دلالة خاصة لتزامنها مع الاحتفاء بعيد الوحدة، الذي خصصت له المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالداخلة، بشراكة مع المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء التابع لجامعة القاضي عياض، ندوة وطنية تحت عنوان “عيد الوحدة: من الذاكرة الوطنية إلى طموحات المستقبل”، ضمن فعاليات الدورة الأولى من «أيام الوحدة»، وبمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس المدرسة. وهو سياق منح هذا اللقاء بعدا وطنيا وعلميا، تتقاطع فيه رمزية المناسبة مع قيم الوفاء والاعتراف بالجهود التي يبذلها الأساتذة والباحثون في خدمة المعرفة والقضايا الوطنية.
وقد تميز المسار الجامعي للدكتور محمد بنطلحة الدكالي بعناية خاصة بتكوين الباحثين ومواكبة مشاريعهم العلمية، حيث أشرف، على امتداد سنوات من التدريس والتأطير، على ما يقارب أربعين باحثا من أبناء الصحراء المغربية في مسارات إعداد أطروحات الدكتوراه، ضمن تخصصات العلوم السياسية والقانون والتنمية المحلية وحقوق الإنسان. ولم يكن هذا التأطير، في أبعاده العلمية والإنسانية، مجرد مواكبة أكاديمية تنتهي بمناقشة الأطروحات ونيل الشهادات، بل شكل امتدادا لرسالة تربوية وفكرية تقوم على تشجيع البحث الرصين، وترسيخ الثقة في قدرات الطلبة، وتحفيزهم على الانخراط الفاعل في الحياة العلمية والمؤسساتية.
ولم ينحصر عطاء المحتفى به في فضاء التدريس والإشراف الجامعي، بل امتد إلى مجال البحث العلمي المتخصص في قضايا الصحراء، من خلال إدارته للمركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء، وما ارتبط بهذه المسؤولية من جهود تهدف إلى تعميق المعرفة الأكاديمية بالمنطقة، ومواكبة تحولاتها التنموية، وتشجيع المقاربات العلمية الرصينة لقضاياها السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية.
كما شكل الحس الوطني الذي ميز مساره الفكري والأكاديمي أحد الأبعاد التي حرص منظمو هذا التكريم على إبرازها، بالنظر إلى اهتمامه المتواصل بالقضايا الوطنية، وإيمانه بأهمية المعرفة العلمية في خدمة المصالح العليا للمملكة، وتأهيل كفاءات بحثية قادرة على الإسهام في النقاش الأكاديمي والترافع العلمي الرصين بشأن القضايا المرتبطة بالصحراء المغربية.
وقد ساهم في الإعداد لهذا الموعد التكريمي عدد من الأساتذة الباحثين والأطر العليا المنحدرين من الأقاليم الجنوبية، من بينهم الأستاذة تيروز سلم، والدكاترة الداودي أحمد سالم، وبابيت اعبيدو، ومحمد المهدي أهل ميارة، والمساوي سيدي ولدة، والعلوي سيدي محمد، وزابيلا أحمد، والبرنوصي حسن، والفيلالي سيدي المصطفى، إلى جانب الأستاذ حمانة محمد أحمد، وفعاليات أكاديمية أخرى جمعتها الرغبة في التعبير عن الامتنان لأستاذ ترك بصمته في مساراتهم العلمية والإنسانية.
وحمل هذا التكريم في طياته لحظات إنسانية معبرة، استحضرت عمق الروابط التي نسجتها سنوات الدراسة والبحث داخل رحاب الجامعة، وأعادت إلى الواجهة صورا من علاقة الأستاذ بطلبته، بما تختزنه من مواقف الدعم والتوجيه والاحتضان، وما تتركه من أثر يتجاوز الزمن الجامعي إلى مختلف مراحل الحياة المهنية والعلمية. وهي لحظات جسدت أن الوفاء للأستاذ لا ينبع من الاعتراف بما قدمه من علم فحسب، بل يتصل كذلك بما أبداه من مروءة وتواضع وحسن معاملة، وما أتاحه لطلبته من فضاء إنساني مشجع على الاجتهاد والتميز.
ويحمل اختيار مدينة الداخلة لاحتضان هذا اللقاء رمزية لافتة، باعتبارها فضاء ينتمي إليه عدد من الباحثين الذين أسهم الدكتور بنطلحة الدكالي في تكوينهم، بما يجعل من هذه المبادرة مناسبة يلتقي فيها الأستاذ بثمرة سنوات من عطائه الجامعي، ويستحضر فيها طلبته ما وجدوه في شخصه من تأطير علمي ومساندة إنسانية وحضور دائم إلى جانبهم في مختلف محطات مساراتهم الأكاديمية.
وفي سياق الاحتفاء بعيد الوحدة، تتجاوز هذه المبادرة بعدها التكريمي الشخصي لتجسد ثقافة الاعتراف والوفاء داخل الجامعة المغربية، وتبرز قيمة الروابط التي تجمع الأجيال العلمية، وتؤكد أن خدمة القضايا الوطنية لا تنفصل عن الاستثمار في الإنسان، وتشجيع المعرفة، وإعداد الكفاءات القادرة على الإسهام في التنمية وخدمة المجتمع.
وهكذا، شكل تكريم الدكتور محمد بنطلحة الدكالي بمدينة الداخلة لحظة وفاء امتزجت فيها مشاعر الامتنان بعمق الانتماء الوطني، والتقت خلالها ذاكرة الأستاذ بذاكرة طلبته، في صورة تعكس المعنى الأصيل للعطاء الجامعي. وإذا كانت المسارات الأكاديمية تقاس بما تحققه من منجزات علمية وما تثمره من بحوث وأطروحات، فإن قيمتها الإنسانية الأعمق تتجلى فيما تتركه من أثر في نفوس الطلبة ومساراتهم، وفيما تغرسه فيهم من ثقة وطموح وإيمان بالعلم والوطن. فالأستاذ الذي يستحق الوفاء ليس فقط من يمنح طلبته المعرفة، بل من يحتضن طموحاتهم، ويؤمن بقدراتهم، ويظل حاضرا في وجدانهم حتى بعد أن تجمعهم به الحياة زملاء في رحاب العلم والبحث.




