الدكتور بنطلحة الدكالي: المرحلة المقبلة لا تحتمل حكومة عادية بالمعنى التقليدي
قال أستاذ علم السياسة والسياسات العامة بجامعة القاضي عياض بمراكش، محمد بنطلحة الدكالي، إن نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2026، لن تحدد فقط التوازنات الحزبية المقبلة، بل ستفرز أيضا الإطار السياسي الذي سيتولى قيادة الحكومة خلال واحدة من أكثر المراحل حساسية في المغرب المعاصر.
وأضاف بنطلحة الدكالي، في تصريح لـ”الأيام 24″، أن السؤال المطروح لا يقتصر فقط على الحزب الذي تصدر الانتخابات، بل يمتد إلى طبيعة القيادة الحكومية التي تفرضها هذه المرحلة، وإلى الشخصية القادرة على إضفاء ما يلزم من وزن وتماسك على العمل الحكومي، بما يضمن التنسيق الفعلي وصرامة التنفيذ.
واعتبر أن “المرحلة تتطلب رجلا راكم مسارا مؤسساتيا طويلا، يجمع فيه بين المعرفة الدقيقة بمنطق الدولة، والخبرة في تدبير التوازنات، والقدرة على التعامل مع الملفات الحساسة بكثير من الهدوء والفعالية، حيث لا يكفي الخطاب السياسي وحده، بل تصبح القدرة على التنسيق والتنفيذ وإدارة الملفات بإحكام عناصر حاسمة”.
وتابع أن “أي نقاش من هذا النوع لا يكتسب معناه إلا داخل الإطار الدستوري” مبينا أن “الدستور المغربي حسم بوضوح مسار تشكيل الحكومة، حيث ينص الفصل 47 على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، ومن ثم، فإن أي تصور سياسي محتمل لا يمكن أن يتأسس إلا على الشرعية الانتخابية، وفي ضوء التوازنات التي تفرزها صناديق الاقتراع”.
وأكد بنطلحة الدكالي، أن “المرحلة المقبلة لا تحتمل حكومة عادية بالمعنى التقليدي، ولا إدارة يومية متفرقة للقطاعات، بل تحتاج إلى مركز تنفيذي قوي، قادر على ترتيب الأولويات، وربط الزمن السياسي بزمن الإنجاز”، مبرزا أن “المرحلة المقبلة لن تكون امتدادا لتدبير اعتيادي، بل محطة لترسيخ موقع المغرب وتعزيز تموقعه الاستراتيجي”.
وزاد أنه في مثل هذه المحطات، تتأسس أهمية الحكومة على شرعيتها الدستورية وشكلها القانوني، وتتأكد في الوقت نفسه بقدرتها الفعلية على فرض الانسجام في الفعل العمومي، وضمان تماسك القرار، وتسريع وتيرة التنفيذ بما يواكب متطلبات هذه المرحلة.
وسجل بنطلحة الدكالي، أن ما أفرزته نتائج الانتخابات التشريعية من تحولات لافتة في توزيع المقاعد بمجلس النواب، يأتي في مرحلة دقيقة تتسم بتزامن ملفات في غاية الأهمية بالنسبة للمغرب، تتداخل فيها الأولويات وتقترب آجالها بشكل غير مسبوق، مضيفا أن “الأعوام المقبلة لن تكون مجرد امتداد عادي للدورة الحكومية، بل ستكون محطة حاسمة تختبر قدرة الدولة على تنفيذ اختياراتها الإستراتيجية بكفاءة، وتحقيق نتائج ملموسة تواكب حجم التحديات المطروحة”.
وأبرز بنطلحة الدكالي، أنه في صدارة هذه الملفات يأتي ملف الصحراء المغربية، الذي يقترب من مرحلة الحسم، في ظل اتساع الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها إطارا واقعيا وجادا وذا مصداقية، لافتا إلى أنه يأتي أيضا في سياق نجاح المغرب في تحقيق مكاسب دبلوماسية مهمة، تجعل المرحلة المقبلة تتجه نحو تدبير هذا المسار في أبعاده السياسية والمؤسساتية، مع الانتقال إلى تنزيل الحكم الذاتي بشكل تدريجي ومندمج، وهو انتقال يفرض حكومة قادرة على ضمان انسجام هذا التدبير، وربط مقتضيات السيادة بمتطلبات التنظيم الترابي في إطار رؤية دقيقة.
وزاد أنه “يأتي بعد ذلك تنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030، باعتباره موعدا دوليا حاسما تختبر فيه جاهزية البنيات التحتية بمختلف مكوناتها، وفعالية المنظومة الأمنية، ونجاعة الأداء العمومي، وما يواكب ذلك من تعزيز جاذبية البلاد كوجهة للاستثمار”، لافتا إلى أن “هذا الاستحقاق يمتد على سنوات من الإعداد، حيث تتقاطع رهانات الاقتصاد والسياحة والدبلوماسية لتعزيز تموقع المغرب دوليا ضمن ورش وطني واسع”.
أما على المستوى الداخلي، فيرى بنطلحة الدكالي، أن ورش الجهوية المتقدمة والتنمية المجالية المندمجة أصبحا أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، حيث لم يعد النقاش محصورا في حجم الاستثمار العمومي على المستوى المركزي، بل في كيفية توزيع هذا الاستثمار مجاليا، وفي قدرة الجهات على بلورة برامج تنموية مندمجة تقوم على تثمين الموارد المحلية وضمان التقائية السياسات العمومية.
وخلص بنطلحة الدكالي، إلة كل كا سبق ذكره يفرض حكومة قادرة على قيادة هذا التحول عبر تنسيق فعلي بين مستويات القرار المختلفة، وتفعيل آليات الحكامة الترابية، بما يضمن الانتقال من منطق التخطيط المركزي إلى منطق التدبير المجالي القائم على النجاعة ويترجم هذا التحول إلى نتائج ملموسة




