آراء

كلمات على الطريق (39) الدكتور النخلي يكتب :العودة إلى العمل ليست خيانة… والاختلاف لا يفسد للمحاماة قضية

الدكتور محمد نخلي
محامٍ بهيئة مراكش

منذ ما يقارب خمسة أشهر، يواصل المحامون توقفاً مفتوحاً عن العمل، احتجاجاً على ما اعتبرته مؤسساتهم المهنية مقتضيات ماسة باستقلال المهنة ومكانتها ضمن مشروع القانون المنظم لها.

كان من حق المحامين أن يعترضوا، ومن واجب مؤسساتهم أن تعبّر عن موقفهم وأن تدافع عن تصورها للمهنة. فالاحتجاج حق مشروع، بل قد يصبح ضرورة حين تضيق سبل الحوار ولا تجد المطالب المهنية طريقها إلى الإنصات.

غير أن كل وسيلة احتجاجية تستمد مشروعيتها، ليس فقط من عدالة المطالب التي ترفعها، وإنما أيضاً من وضوح أهدافها، وتناسبها مع الظرف، وقدرتها الفعلية على بلوغ النتائج المرجوة منها.

لقد تمت المصادقة على مشروع القانون من طرف البرلمان بغرفتيه، ثم أُحيل على المحكمة الدستورية، ونُشر بعد ذلك في الجريدة الرسمية، فأصبح قانوناً نافذاً. ومع كل محطة من هذه المحطات، كان القرار هو نفسه: مواصلة التوقف عن العمل.

وهنا يفرض السؤال نفسه، بكل هدوء ومسؤولية:

ما الهدف المحدد من استمرار التوقف اليوم؟

هل المطلوب إلغاء القانون؟ أم تعديله؟ أم فتح حوار بشأن بعض مواده؟ ومن هي الجهة التي يجري التفاوض معها؟ وما هو الأفق الزمني المنتظر؟ وما الذي يمكن أن يحققه شهر سادس من التوقف لم تحققه الأشهر الخمسة السابقة؟

بل إن الظرف السياسي الذي يعيشه المغرب يجعل هذا السؤال أكثر إلحاحاً. فالبلاد توجد اليوم على أبواب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر؛ والحكومة الحالية دخلت عملياً مرحلة نهاية الولاية، بينما لم تتشكل بعد الحكومة المقبلة، ولم تُعرف أغلبيتها ولا أولوياتها.

فمن نحاور اليوم؟

هل نحاور حكومة تستعد للمغادرة، وقد لا تملك سياسياً أن ترتب التزامات كبرى على من سيأتي بعدها؟ أم نحاور أحزاباً منشغلة بحملاتها الانتخابية، لا نعرف أيها سيقود الحكومة المقبلة؟ أم نواصل التوقف في انتظار حكومة لم توجد بعد، ولا نعلم متى ستتشكل ولا ما سيكون موقفها من القانون؟

صحيح أن الحكومة الحالية تظل قائمة من الناحية الدستورية إلى حين تنصيب حكومة جديدة، لكن وجودها القانوني شيء، وقدرتها السياسية على فتح تفاوض جدي يفضي إلى مراجعة قانون بهذه الأهمية شيء آخر. والحوار المنتج يحتاج إلى مخاطب واضح، يملك التفويض السياسي والوقت والقدرة على الالتزام؛ وهي شروط يصعب القول إنها متوافرة في هذه المرحلة الانتقالية.

فإذا كان لا يتوافر اليوم محاوَر سياسي يملك القدرة الفعلية على الالتزام، وكانت الأجندة غائبة والنتيجة المنتظرة غير محددة، فمع من نخوض هذه المواجهة؟ وإلى متى؟

هذه ليست أسئلة تشكيك في نيات أحد، ولا انتقاصاً من المؤسسات المهنية، وإنما هي أسئلة تفرضها المسؤولية. فالتوقف ليس غاية في ذاته، ولا يمكن أن يتحول إلى وضع دائم يستمر بقوة العادة، من غير سقف زمني واضح ولا هدف قابل للقياس.

التوقف المفتوح ليس شيكاً على بياض.

وحين تتغير المعطيات التي انطلق في ظلها، يصبح من الواجب إعادة تقييمه. فما كان مشروعاً وضرورياً في مرحلة من المراحل قد يفقد جدواه في مرحلة لاحقة، لا لأن أصحابه كانوا مخطئين، بل لأن الوسيلة لم تعد ملائمة للواقع الجديد.

والواقع اليوم أن القانون قد أصبح نافذاً. وصدوره لا يمنحه العصمة، كما لا يجعل مراجعته مستحيلة؛ لكنه ينقل المواجهة من مرحلة منع المشروع إلى مرحلة تقييم القانون، ومتابعة تطبيقه، ورصد اختلالاته، واقتراح تعديله بالوسائل المؤسساتية المتاحة.

فالقوانين ليست نصوصاً مقدسة. كم من قانون عُدّل بعد أشهر أو سنوات من دخوله حيز التنفيذ، وكم من مقتضى كشف التطبيق العملي عن قصوره أو تعارضه مع حسن سير العدالة. بل إن العودة إلى المحاكم قد تمنح المحامين الحجة الأقوى: حجة الواقع، وما يفرزه التطبيق من صعوبات واختلالات، بدل الاكتفاء باعتراض عام سابق على دخول النص حيز التنفيذ.

ثم إن وصف القانون بأنه مسيء إلى المهنة، مهما كانت وجاهة بعض الاعتراضات المثارة بشأنه، لا ينبغي أن يتحول إلى مسلّمة تعفي من المناقشة التفصيلية. فقد يتضمن القانون فعلاً مقتضيات تستوجب الاعتراض والمراجعة، لكن ذلك يحتاج إلى قراءة قانونية دقيقة، مادةً بمادة، تبيّن مواضع الضرر وآثاره العملية والبدائل الممكنة. أما إطلاق حكم شامل من غير تقييم هادئ ومفصل، فلا يكفي وحده لإبقاء آلاف المحامين والمتقاضين ومرفق العدالة في حالة شلل إلى أجل غير معلوم.

فالذي يدفع ثمن هذا التوقف ليس جهة واحدة.

يدفعه المحامي الشاب الذي لا يملك مورداً آخر، ويدفعه الموظفون والمستخدمون المرتبطون بالمكاتب، ويدفعه المتقاضي الذي ينتظر حكماً أو نفقة أو تعويضاً أو استرجاع حق، ويدفعه في النهاية مرفق العدالة كله.

ولا يجوز أن يصبح استمرار المعاناة دليلاً على الصمود، أو أن يُقاس الإخلاص للمهنة بعدد الأيام التي ظل فيها المحامي بعيداً عن قاعة الجلسات.

من هنا، فإن الدعوة إلى الرجوع إلى العمل ليست خيانة، ولا انبطاحاً، ولا خنوعاً للدولة، ولا خدمة لما سُمّي، في قاموس التخوين، «الطابور الخامس».

إنها رأي مهني مشروع، قد يصيب وقد يخطئ، لكنه يستحق أن يُناقش بالحجة، لا أن يُحاصر بالسب والتشهير.

المحامي الذي يطالب المجتمع باحترام حرية الدفاع، أولى به أن يحترم حرية زميله في تقدير الموقف. ومن يدافع عن استقلال المهنة، لا يمكنه أن يطالب المحامين بالتخلي عن استقلال رأيهم داخلها.

ولا تعني وحدة الصف أن يفكر الجميع بالطريقة نفسها، أو أن يرددوا الموقف نفسه إلى ما لا نهاية. الوحدة الحقيقية هي أن نختلف من دون أن نهدم ما يجمعنا، وأن نحافظ على الاحترام المتبادل، وأن نملك الشجاعة لمراجعة الوسائل حين تثبت الوقائع محدوديتها.

كما أن احترام قرارات المؤسسات المهنية لا يعني تحصينها من النقاش أو المراجعة. فالمؤسسات تقوى بالنقد المسؤول، وتضعف حين يصبح السؤال تمرداً، والاختلاف خيانة، والاجتهاد خروجاً عن الجماعة.

والرجوع إلى العمل لا يعني تزكية القانون أو التنازل عن حق المطالبة بتعديله. يمكن للمحامين أن يعودوا إلى أداء رسالتهم، وأن يواصلوا، في الوقت نفسه، معركتهم المهنية: بمذكرة قانونية مفصلة، وحوار مؤسساتي محدد المطالب، وتتبع دقيق لآثار التطبيق، واقتراح تعديلات واضحة، وأشكال احتجاج مدروسة لا تُحمّل المتقاضين والمحامين وحدهم كلفة مواجهة بلا أفق.

ذلك هو الانتقال من الاحتجاج المفتوح إلى الفعل المهني المؤثر.

ولهذه الأسباب أقول، بكل وضوح: أنا مع الرجوع إلى العمل.

لا لأن القانون كامل، ولا لأن الاعتراض عليه كان خطأ، ولا لأن السلطة كانت على حق في كل ما فعلت؛ وإنما لأن الوسيلة التي اخترناها استنفدت قدرتها على التأثير، ولأن الاستمرار فيها، من دون هدف محدد أو أفق معلوم، لم يعد يخدم المهنة بقدر ما يستنزفها.

نعود إلى المحاكم لا لأننا انهزمنا، بل لأن مكان المحامي الطبيعي إلى جانب المتقاضي، ولأن العدالة لا يجوز أن تبقى بلا دفاع.

ونواصل المطالبة بتعديل كل مقتضى يثبت أنه يسيء إلى المهنة أو يمس استقلالها، بالحجة والقانون ووحدة الكلمة، لا بالتخوين وإقصاء الرأي المخالف.

فالاختلاف رحمة، والرجوع إلى العمل ليس خيانة، والاختلاف في الرأي لا ينبغي أبداً أن يفسد للمحاماة قضية.

دمتم بخير
والى لقاء آخر

للإشهار على جريدة آراء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
PNFPB Install PWA using share icon

For IOS and IPAD browsers, Install PWA using add to home screen in ios safari browser or add to dock option in macos safari browser

حمل تطبيق آراء الآن