رشيد نجاح يكتب…المغرب ليس صورة واحدة
بقلم رشيد نجاح
ما وقع بباب سبتة أواخر شهر يوليوز، وما رافقه من صور مؤلمة وصادمة، هو جزء من واقع المغرب، ولا مجال لإنكار تلك الصور أو محاولة الهروب منها. فهناك فعلا اختلالات اجتماعية واقتصادية، وهناك مناطق تعاني، وشباب فقدوا الأمل في محيطهم القريب فاختار بعضهم البحث عن مستقبل أفضل خارج الوطن. وإنكار هذه الحقائق لا يخدم المغرب ولا يساعد على حل مشاكله.
لكن الخطأ في الاتجاه المعاكس لا يقل خطورة: وهو اختزال المغرب كله في هذه الصور وحدها، كما يفعل بعض الإعلام الخارجي وبعض معارضي الداخل، الذين يحرصون في كثير من الأحيان على تقديم صورة سوداء قاتمة عن البلاد، وكأن المغرب لم يعرف خلال العقود الأخيرة سوى الفقر واليأس والتراجع.
والحقيقة أن المغرب أكبر من صوره السلبية، كما هو أكبر من صوره الإيجابية أيضا.
إن المستوى الذي أصبحت عليه صناعة السيارات، وتطور صناعة أجزاء الطائرات، والنمو الصناعي والتكنولوجي، تشكل كلها نماذج واضحة على القفزات التي حققتها بلادنا. كما أن التطور الكبير الذي عرفته البنية التحتية خلال السنوات السبع والعشرين الأخيرة، من طرق سيارة وقناطر ومطارات وممرات تحت أرضية وشبكات طرقية ومنشآت حديثة، يعكس إرادة واضحة في بناء مغرب حديث ومتصل بمحيطه.
والنقل الحضري في عدد من المدن الكبرى عرف بدوره تطورا ملحوظا، رغم ما يزال يحتاجه من إصلاح وتحسين. وهو أيضا جزء من المغرب الحقيقي.
كما أن تأخر الإصلاحات في التعليم والصحة والعدل جزء من واقعنا. لا ينبغي إنكاره ولا التهوين من خطورته. فهذه القطاعات الحيوية تحتاج إلى إصلاح عميق وفعال، لأن تقدم الدول لا يقاس فقط بجمال مدنها أو ارتفاع بناياتها، بل كذلك بجودة تعليم أبنائها وعلاج مواطنيها وعدالة مؤسساتها.
إن الرباط والدار البيضاء وطنجة وتطوان والصويرة وأصيلا والعرائش ومدنا مغربية أخرى، تقدم اليوم صورة حضرية وجمالية رائعة. وتنوع طبيعتنا، من السلاسل الجبلية الشامخة إلى الصحارى الشاسعة والسهول والغابات، جزء من ثروة المغرب التي لا تخطؤها العين.
وشواطؤنا الممتدة على آلاف الكيلومترات، على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، تتحول في فصل الصيف إلى فضاءات مكتظة بالزوار. وتمتلئ مواقف السيارات والشوارع والطرق بعشرات الآلاف من سيارات المغاربة الذين يتنقلون بين المدن والقرى والشواطئ لقضاء عطلاتهم.
كل هذا أيضا جزء من المغرب.
وفي المقابل، فإن دور الصفيح، رغم الجهود المبذولة لإزالتها وإعادة إسكان سكانها، لا تزال جزءا من واقعنا. كما أن القرى النائية والمناطق الجبلية التي تعاني من العزلة وضعف الخدمات تشكل بدورها جزءا من المغرب الذي يحتاج إلى مزيد من الإنصاف والاهتمام.
المغرب هو المطارات التي شُيدت وأخرى تم تأهيلها، وهو الملاعب الرياضية الحديثة، والقناطر والطرق والمشاريع الصناعية والسياحية. لكنه أيضا الطفل الذي يحتاج إلى مدرسة أفضل، والمريض الذي ينتظر علاجا أفضل، والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل وكرامة، والمواطن الذي يطالب بإدارة أكثر فعالية وعدالة أسرع.
هذه ليست تناقضات ينبغي أن تدفعنا إلى اليأس أو إلى إنكار الواقع، بل هي الحقيقة التي سبق لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله أن لخصها بوضوح حين تحدث عن مغرب يسير بسرعتين.
وإذا كان تشخيص الواقع قد تم، فإن الواجب المحتوم اليوم هو العمل على تقليص الفارق بين السرعتين، حتى لا يبقى مغرب يتقدم بسرعة كبيرة في بعض المجالات، فيما يتأخر مغرب آخر في مجالات أساسية تمس حياة المواطن اليومية.
ليس من الوطنية أن نرى الإيجابيات وننكر السلبيات، كما أنه ليس من الوطنية أن نضخم السلبيات ونخفي كل الإنجازات. المغرب الذي نحبه يستحق منا نظرة صادقة وعادلة: نعترف بما تحقق، ونفخر به، وفي الوقت نفسه ننتقد ما يحتاج إلى إصلاح ونطالب به دون تشويه أو تبخيس.
لقد حقق المغرب في عهد الملك محمد السادس قفزات كبيرة وملموسة، وهذا أمر لا يمكن إنكاره. لكن الطريق ما زال طويلا، والرهان الحقيقي هو أن تصل ثمار هذا التطور إلى جميع المغاربة، وفي كل المناطق، حتى يصبح التقدم متوازنا ولا يبقى المغرب، كما قيل، يسير بسرعتين.
ذلك هو المغرب الحقيقي: إنجازات نفتخر بها، ونقائص نعمل على إصلاحها، ووطن نحبه بما تحقق فيه، وننتقد ما يؤلمه، لأن حب الأوطان لا يعني الكذب عليها، كما أن النقد لا يعني أبدا كراهية الوطن.




