مجتمع

الدكتور النخلي يكتب .. رسالة مفتوحة إلى المحترم السيد رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب وأعضاء مكتبها المحترمين..

الدكتور محمد نخلي
محامي بهيئة مراكش

أديتم الواجب… وقد حان وقت العودة إلى المحاكم

السيد رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب؛
السيدات والسادة أعضاء مكتب الجمعية المحترمون؛

وأنتم تجتمعون غدًا لاتخاذ قرار بشأن مواصلة التوقف الشامل عن العمل أو وضع حد له، أجد من واجبي أن أتوجه إليكم بهذه الرسالة، بكل صدق وتجرد، ومن موقع الانتماء إلى المهنة والحرص على وحدتها ومستقبلها.

لقد مثّلتم المحامين، خلال هذه المرحلة الدقيقة، بكل أمانة وصدق وشجاعة.

دافعتم عن استقلال المهنة بشراسة، وخضتم حوارًا شاقًا مع الحكومة، وتحملتم ضغط المرحلة وثقل المسؤولية، ولم تدخروا جهدًا في إيصال صوت المحامين والدفاع عن مطالبهم المشروعة.

لقد قمتم بالواجب… وزيادة.

وإذا كانت الصيغة النهائية للقانون لا تستجيب لجميع تطلعاتنا، ولا تخلو من مقتضيات تثير تحفظات جدية، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن نضال الجمعية وحوارها مع الحكومة أفضيا إلى تعديلات جوهرية ومكاسب مهنية لا يمكن إنكارها أو التقليل من أهميتها.

غير أن القانون رقم 66.23 قد صدر، ونُشر في الجريدة الرسمية، وأصبح قانونًا نافذًا.

وبذلك نكون قد انتقلنا، موضوعيًا، من مرحلة الاعتراض على مشروع قانون إلى مرحلة التعامل مع قانون قائم، يفرض علينا أن نغيّر أدوات نضالنا من دون أن نتخلى عن مطالبنا.

لقد أدى التوقف عن العمل رسالته، وأوصل صوت المحامين إلى الحكومة والبرلمان والرأي العام. أما الاستمرار فيه بعد دخول القانون حيز التنفيذ، فلن يوقف نفاذه ولن يغيّر مقتضياته، وقد تصبح كلفته أثقل على المتقاضين، وعلى المحامين، وعلى مرفق العدالة برمته.

لذلك أرى، بكل تقدير واحترام، أن الوقت قد حان للعودة إلى المحاكم، واستئناف العمل، ومواصلة الدفاع عن استقلال المهنة بأشكال أخرى أكثر ملاءمة للمرحلة الجديدة.

فالعودة إلى العمل ليست هزيمة، ولا تراجعًا، ولا تنكرًا للتضحيات التي بُذلت؛ بل هي انتقال واعٍ من معركة الاعتراض إلى معركة التطبيق والتقييم والتعديل.

يمكننا أن نواصل النضال من داخل المؤسسات؛ برصد اختلالات القانون أثناء تنزيله، وتوثيق صعوبات تطبيقه، والترافع من أجل تعديل مقتضياته، وإعداد مقترحات تشريعية دقيقة، ومخاطبة الحكومة والبرلمان والجهات الدستورية المختصة، بكل ما تتيحه دولة القانون من وسائل مشروعة.

تلك هي قواعد الممارسة الديمقراطية: نعارض، ونحتج، ونترافع، ونستعمل جميع الوسائل القانونية المتاحة؛ فإذا صدر القانون، تعاملنا معه بمسؤولية، من غير أن نتنازل عن حقنا في نقده والعمل على تعديله.

إن أوراشًا كبرى تنتظر المحامين، ولا ينبغي للمهنة أن تتخلف عن الركب.

ينتظرنا تنزيل القانون الجديد، وإعداد النصوص التنظيمية المرتبطة به، والدفاع عن حقوق المتقاضين، ومواكبة التحولات التشريعية والقضائية، والإسهام في إصلاح منظومة العدالة، وتحصين المهنة من السمسرة والدخلاء، وتعزيز تكوين المحامين ومكانتهم داخل المجتمع.

وهذه الأوراش تحتاج إلى محاماة حاضرة في المحاكم والمؤسسات وفي صلب النقاش العمومي، قوية بوحدتها، يقظة في مواقفها، ومسؤولة في قراراتها.

السيد الرئيس؛
السيدات والسادة أعضاء المكتب؛

لقد منحكم المحامون ثقتهم، ووقفوا إلى جانبكم، وتحملوا أعباء التوقف دفاعًا عن كرامة المهنة واستقلالها. واليوم ينتظرون منكم قرارًا شجاعًا يطوي مرحلة التوقف، ويفتح مرحلة جديدة من النضال المؤسساتي المسؤول.

إن الدعوة إلى العودة إلى العمل ليست دعوة إلى إغلاق ملف المطالب، وإنما إلى فتحه من موقع جديد، وبوسائل جديدة، وبرؤية تستحضر مصالح المهنة من دون أن تغفل مصالح المتقاضين وحسن سير العدالة.

ومهما يكن القرار الذي ستتخذونه، فإن المحامين سيظلون مع جمعيتهم، ملتفين حول مؤسساتهم المهنية، حريصين على وحدتها، ومدافعين عن استقلالها.

لكنني أتمنى أن يكون قرار الغد هو العودة إلى المحاكم؛ لأنكم أديتم واجبكم كاملًا، ولأن المرحلة الجديدة تقتضي أن نواصل النضال بوسائل أخرى.

فالمحاماة لا تنسحب من ساحة العدالة دفاعًا عن استقلالها، وإنما تعود إليها أكثر قوةً ووحدةً ويقظة، لتدافع عن المهنة، وعن المتقاضين، وعن دولة الحق والمؤسسات.

 

للإشهار على جريدة آراء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
PNFPB Install PWA using share icon

For IOS and IPAD browsers, Install PWA using add to home screen in ios safari browser or add to dock option in macos safari browser

حمل تطبيق آراء الآن