آراء

بنطلحة يكتب : بحثا عن الزمن المفقود

رواية البحث عن الزمن المفقود سيرة ذاتية من تأليف الكاتب الفرنسي “مارسيل بروست”، يحكي فيها الراوي صراعه مع الزمن الذي بدا أنه ينفلت من بين يديه، مما جعله يعيش حياة الماضي كأنها واقع.

AAإن هذا الوصف نجده ينطبق أيضا على بعض الأمم التي هالها تغير الأمور والأحوال حيث كانت تتوهم يوما أنها القابضة على الريح مما جعلها تحن إلى زمن ولى، لذلك لا نستغرب أصواتا في بلد مثل فرنسا مهد “الحرية/ العدالة/ المساواة” تدعو إلى إيديولوجية تمجيد الاستعمار، حيث صادق مثلا البرلمان الفرنسي على قانون رقم 158-2005 يمجد الدور “الحضاري” و”الإيجابي” للاستعمار الفرنسي في المستعمرات الفرنسية عبر العالم، محاولا تحريف التاريخ والذاكرة الإنسانية.

في نفس السياق، تأتي تصريحات عميد البرلمانيين الفرنسيين خوسيه غونزاليس خلال ترؤسه جلسة افتتاحية للبرلمان الفرنسي، حيث مجد الحقبة الاستعمارية الفرنسية للجزائر، مذكرا أنه ترك جزء من فرنسا وأن جرحا داخله سيبقى للأبد، إنه حنين للمقاطعة الفرنسية التي ضموا لها عنوة أراضي شاسعة من دول الجوار وغيروا مجرى التاريخ ووقائع الجغرافيا لبلدة كانت ترزح تحت الحكم العثماني قرونا عديدة، وولوا عليها جنودا من رتب متدنية معلنين ولاءهم الدائم لأولياء نعمتهم.

إن هذا الحنين هو عشق هيامي وحب اختزلته جملة: “قصة حب لاتخلو من مأساة” التي قالها الرئيس الفرنسي ماكرون في مؤتمر صحفي خلال زيارته الأخيرة للجزائر وهو ماعبر عنه الباحث بول ماكس مورين في عمود نشر بصحيفة “Le monde” الفرنسية قبل سحبه، حيث عنونه كالتالي: “اختزال الاستعمار في الجزائر بقصة حب يكمل تبني ماكرون لموقف اليمين بشأن مسألة الذاكرة”.

إن شدة ولع هذا الحب يدعونا إلى التحليق من جديد في فضاء رواية “بحثا عن الزمن المفقود”، وبالضبط في الجزء الثاني من هذه السيرة الذاتية، حيث أحب الراوي في الجزء الأول من الرواية فتاة واحدة تدعى “غلبرت” حيث أظهر لها حبه بشدة، ولكنه في هذا الجزء ينتقل إلى حالة نادرة بين البشر، وهي الحب الجماعي لفتيات يانعات، وهن اللواتي ظهرن مثل سرب سنونو كما جاء في الحكي الروائي.

هذا الراوي الذي يعاني من أعراض التملك، خال نفسه ابن الشمس السابق لهذا العالم والمنتشر لحد الآن فيه والمالك لمفاتيحه السحرية.. ترى لو قدر لبروست أن يعيش ردحا آخر من الزمن، وهو الذي غادر دنيا الناس دون أن يكمل ملحمته الأدبية، ماذا كان سيكتب كتتمة لهذا الحب المرضي؟

لاشك أن كاتبنا سيستحضر أن مياها كثيرة جرت تحت الجسر، حيث ستقذف أمواج بمركبه إلى بلد آخر لايسعى إلى استعادة الجماجم بحثا عن شرعية مفقودة، لأنه بلد ذو تاريخ طويل لايرعبه جرح الذاكرة، وهو يأبى أن يكون حديقة خلفية أو ضيعة استعمارية، ويرفض الابتزاز السياسي واللعب على الحبال.

إن عهد المناورات قد ولى أيها الراوي، وزمن اليوم ليس هو زمن الأمس.. رجاء أيها الراوي حاول وأنت تمثل مشهدك البئيس الذي مله الجمهور وبات مسرحية سخيفة حاول أن تخرج من فضاء الرواية المليئ بالخرافة والأساطير مع كامل احترامي للعملاق بروست، كسر جدارها الرابع على حد تعبير الرائع بريخت أخرج من دورك التمثيلي أيها الراوي وأزل المساحيق والقناع انسحب من منطقتك الرمادية فوق الركح.. إني بصدق أناديك من الضفة الأخرى التي تموت الأشجار فيها وهي واقفة… فهل تسمعني!؟…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
حمل تطبيق آراء الآن