محمد بوفوطا: باحث في قضايا المجتمع
لئن كانت الطبيعة تأبى الفراغ فإن الدستور أكثر منها استماتة في دفعه، فكما تُسوّي الفيزياء اختلالاتها بقوانين الضغط والامتلاء، يرمّم العمران السياسي فراغه بمبادئ الاستمرارية، التدافع، والتداول، إنه لا ينتظر إذنا من أحد لينعقد كما لا يعير اهتماما لرضا هذا الطرف أو سخط ذاك، ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لإنتخاب أعضاء مجلس النواب المقررة يوم 23 شتنبر 2026، تتجدد كعادتها الخطابات الداعية إلى العزوف ومقاطعة صناديق الاقتراع.
وهي خطابات تستند في وجهها الأول إلى تصور أخلاقي، يزعم أن اعتزال “القلة الصالحة” أسلم لها من مخالطة أغلبية فاسدة قد تلوث نقاءها، وتستند في وجهها الثاني إلى نزوع مثالي يرفض الواقع بمراراته لأنه لا يرقى إلى مثال “المدينة الفاضلة”.
وقد تبدو هذه الدعوات في ظاهرها تعبيرا صادقا عن رفض الفساد وتمسكا بالنقاء والفضيلة، غير أن الإشكال يبدأ حين تتحول الرغبة المشروعة في الإصلاح وتختزل في انسحاب صامت من المجال العام، دون ما تقديم بديل عملي جاد ومعقول، فالديمقراطية في جوهرها الدستوري لا تقوم على انتظار أو تشوف لكمال موعود، بقدر ما تروم تدبير الواقع الملموس، وتصحيح اعوجاجاته، وإيجاد آليات صارمة لفرض احترام الدستور ومراقبة كل من يتولى السلطة وتدبير الشأن العام ومحاسبته.
ومن هنا تبرز المفارقة الجوهرية التي يطرحها هذا المقال: هل تصنع المقاطعة فراغا سياسيا حقيقيا؟ أم أنها على العكس من ذلك، تترك الساحة فسيحة خاوية على عروشها لمن سيملأ الفراغ دون منازع؟
أولا: لا فراغ في قاموس الدستور
غني عن البيان على أن دستور يوليوز 2011 أقام بنيانه على مبدأ محكم قوامُه “الاستمرارية”، فالدولة لا تتوقف والمؤسسات لا تتعطل، والزمن الدستوري لا يلتفت إلى المترددين ولا يرهن إيقاعه بنسب المشاركة، فبمقتضى الفصل 62 يُنتخب أعضاء مجلس النواب لخمس سنوات، وتنتهي ولايتهم لتنطلق ولاية أخرى وفق قواعد منضبطة، وبمقتضى الفصل 47 يُعيّن الملك رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر الانتخابات، لتستكمل باقي الحلقات بتنصيب الحكومة ونيلها الثقة طبقاً للفصلين 87 و88.
نحن إذن أمام منظومة دستورية مترابطة الحلقات، لا تتوقف في جوهرها على حجم الإقبال ونسبة المشاركة، ففي جميع الأحوال ستُجرى الانتخابات، وستُعلن النتائج، وستسلك الطعون مسارها القانوني أمام المحكمة الدستورية، وستنبثق عنها مؤسسات تباشر صلاحياتها كاملة، بغض النظر عن عدد الذين آثروا البقاء خلف الشاشات أو في البيوت.
وبلغة القانون البسيطة فإن انخفاض نسبة المشاركة لا يلغي العملية الانتخابية ولا يخلق فراغا مؤسساتيا، فالمقاعد لا تبقى شاغرة لأن نسبة معينة من المواطنين اختارت مقاطعة التصويت، بل تملأ وفق القواعد الجاري بها العمل. وتحديداً عبر “القاسم الانتخابي” المحسوب على أساس مجموع المقيدين في اللوائح، لا على أساس الأصوات المعبر عنها وحدها. وهذا يعني أن المقاطعة لا تُفرغ المقعد، بقدر ما تخدم لا محالة-بشكل مفارق- اللوائح الصغرى عبر قاعدة “أكبر البقايا”، مادام القاسم ثابتاً لا يتأثر بنسب العزوف أو المشاركة، وبناء عليه تفقد الأصوات الممتنعة أي وزن تأثيري، وتترك حسم مصير الدوائر لمن قرر الذهاب إلى الصندوق وامتنع عن المقاطعة، وهذه ليست خاصية مغربية محضة، بقدر ما هي قاعدة تكاد تكون عامة في الأنظمة التمثيلية التي لا تشترط نصابا أدنى للمشاركة للإعتداد بصحة العملية الانتخابية ، من فرنسا إلى بريطانيا، حيث لا يوقف انخفاض نسبة الإقبال آلة التمثيل السياسي، وإنما يعيد توزيع تأثيرها بمن حضر.
إن من يتصور أن قراره البقاء محتجبا في البيت سيترك الكرسي شاغرا _احتجاجا_ يخلط دون أدنى شك بين رفض المشاركة وبين إيقاف العملية الدستورية كأحد أهم آليات دولة القانون، فلئن كان الأمر الأول ممكنا ومشروعا كخيار فردي، فإن الثاني لا يمكن أن يتحقق بمجرد الغياب، فالكرسي في منطق المؤسسات لم و لن يبقى بأي حال من الأحوال شاغرا ولو للحظة واحدة، طالما سيشغله من سيجيد التنظيم، ويملك الحضور والقدرة على تحويل أصوات قاعدته إلى تمثيل فعلي، وبعبارة أدق إن شئنا القول فإن العزوف أو المقاطعة لا ولن تُعطّل اللعبة السياسية، بقدر ما ستُعيد توزيع أوراقها لمصلحة من رفض التخلي وتمسك بالبقاء داخل المضمار ليشغل ويملأ الفراغ.
ثانيا: تهافت حجة العزلة باسم “الطهارة السياسية ”
تقوم دعوات المقاطعة في جانب منها على مسلمة مضمرة، مفادها أن المجتمع يمكن فرزه سلفا إلى صالحين خالصين وفاسدين خالصين، وأن اعتزال الفاسد هو طوق النجاة الوحيد الأسلم للصالح كي لا يتلوث أو يتلطخ بمخالطته، غير أن هذه الفرضية تسقط عند محك دولة القانون، فالدستور لا يمنح أحدا سلطة أخلاقية مطلقة لتوزيع صكوك الصلاح والفساد على العباد، والفساد متى تعلق بجريمة محددة، لا يثبت بالانطباعات العابرة ولا بالاتهامات المرسلة، بل عبر الضوابط القانونية، بواسطة -وتحت رقابة- الجهات القضائية المختصة، مع احترام قرينة البراءة التي كرسها الفصل 119من الدستور والذي يجعل من كل شخص بريئا حتى تثبت إدانته بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به.
إن تحويل الخصومة السياسية إلى محاكمات أخلاقية مسبقة للأشخاص، يقود إلى استبدال منطق المؤسسات بمنطق التصنيف الطهوري، وهو منطق لا تعرفه دولة القانون ولا تستقيم معه أي عملية سياسية سليمة، فالبرلمان ليس مجمع قديسين ولا نزلا للفاسدين، بقدر ما هو مؤسسة دستورية سياسية تعبر عن مرآة مجتمعية تعكس التناقضات و الاختلافات والتفاوتات القائمة ، فوظيفته الأساسية ليست إنتاج الملائكية المثالية المفرطة، بل التشريع والرقابة والمساءلة وتقييم السياسات العمومية وهي وظائف لا تمارس عبر الغياب.
وحتى وإن سلمنا جدلا بارتفاع منسوب الاختلالات، فإن العقل الدستوري لا يقود حتما إلى الانسحاب، بقدر ما يلح على ضرورة المرابطة والإستماتة، فوجود أصوات مستقلة وناقدة داخل المؤسسة أجدى أثرا من غيابها الكامل عنها، فالبرلماني الحاضر يمتلك جملة من الآليات الدستورية يفتقدها الغائب ،من قبيل الأسئلة الكتابية والشفوية، والمناقشة العلنية، والمبادرة التشريعية في حدود الدستور، والعمل داخل اللجان، والمساهمة في مراقبة العمل الحكومي، فضلا عن آليات الطعن في دستورية القوانين، وكل هذه الأدوات معطلة بحكم الواقع أمام من اختار أن يكون خارج القبة أصلا، وبذلك فإن الانسحاب لا يُحرج بالضرورة من يهيمن على المؤسسة، بل قد يكون أكثر راحة له، لأنه ببساطة سيقلل من حضور الأصوات المعارضة داخلها، وسيفرغ الساحة لخصومها بأقل كلفة، فالاحتجاج من الخارج يعبر عن السخط ويُسمع الصوت، لكن التأثير الفعلي في القرار يظل رهينا بالقدرة على الحضور حيث يُصنع القرار، لا حيث يُعلَّق عليه.
ثالثا: من متلازمة المدينة الفاضلة إلى وهم الحكومة الطوباوية
يتردد في صدى بعض دعوات المقاطعة – تصريحا أو تلميحا- حلم برلمان بلا مال انتخابي، ولا نفوذ للأعيان، ولا تضاربا للمصالح، ولا صراعات حزبية، برلمانا تتشكل نواته من نخبة مثالية لا تخطئ ولا تتأثر بموازين القوة، لكن مثل هذا البرلمان لا يوجد في الواقع، لا في المغرب ولا في الديمقراطيات العريقة، فالسياسة ليست بحثا عن مجتمع ملائكي، بل هي تدبير للاختلاف والمصالح والتناقضات، ووضع آليات قانونية للحد من انحراف السلطة، لا لإلغاء إمكانية الانحراف من أصلها، فهذا أمر لا تملكه أي هندسة دستورية في العالم ،ومن هنا وجب التمييز بين الحكومة الطوباوية والحكومة الدستورية.
لقد شغلت فكرة المدينة الفاضلة الفكر السياسي منذ أفلاطون في “الجمهورية” والفارابي في “آراء أهل المدينة الفاضلة”، وقامت على تصور الحاكم الفيلسوف أو الحاكم المثالي القادر بذاته، وبفضل كماله الذاتي، على تحقيق الخير العام دون حاجة إلى ضوابط خارجية تقيّده، أما النظام الدستوري الحديث فينطلق من فرضية أكثر واقعية تفترض أن الحاكم ليس ملاكا، وأن المؤسسة ليست معصومة، والسلطة قابلة للانحراف بطبعها، ولذلك يجب أن تكون مقيدة، والاختصاص موزعا، والقرار قابلا للمراقبة والمساءلة والتصحيح، وهو نفس المنطق الذي تبناه دستور 2011 تحديدا، فهو لا يفترض عصمة الحكومة ، بل يجعلها مسؤولة أمام البرلمان، كما لا يفترض دائما استعمال السلطة في الصالح العام، بقدر ما يؤطرها و يضع لها قيودا وآليات للمساءلة، من المحكمة الدستورية إلى المؤسسات الدستورية للحكامة وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة، إذ لا يبنى النظام على الثقة العمياء في الأشخاص، بل على الثقة المشروطة بالقانون والمؤسسات القابلة للتصحيح الدوري عبر الصندوق نفسه.
فالحكومة الطوباوية تنتظر الحاكم الكامل الذي لا يخطئ، أما الحكومة الدستورية فتنظم السلطة على أساس أن من يتولاها سيُخطئ حتما وقد يُسيء التقدير، ولذلك لا يكفي اختيار الأشخاص الأصلح، بل لا بد من بناء مؤسسات قادرة على مراقبتهم وتصحيح مسارهم، وأول هذه المؤسسات هو الاستحقاق الانتخابي المتكرر نفسه، وانتظار حكومة طوباوية أو برلمان مثالي قبل المشاركة يعني عمليا تعليق المشاركة إلى أجل غير مسمى، لأن ذلك البرلمان المثالي لن يأتي أبدا بحكم تعريفه، فالديمقراطية ليست آلية لاختيار الملائكة، بل آلية لمنع البشر من الاستئثار المطلق بالسلطة، وللحد من الضرر حين يقع الخطأ، ومن يرفض الانتخابات لأن المرشحين ليسوا مثاليين، يشترط فيها ما لم تشترطه هي في نفسها طالما أنها لا تعدنا بالكمال، فهي لا تعدو أن تكون إلا إمكانية للتغيير السلمي، وتداول السلطة، والمساءلة، وتصحيح الأخطاء دوريا دون حاجة إلى ثورة أو قطيعة.
رابعا: حين يتحول الغياب إلى استراتيجية بلا فاعل
يبقى سؤال أخير من يملأ الفراغ الذي يتركه المقاطعون فعليا، إن لم يكن فراغا مؤسساتيا؟
الجواب أن الفراغ الحقيقي الذي تصنعه المقاطعة ليس فراغا في المؤسسة، بل فراغ في التمثيل النسبي لفئة معينة داخلها، فحين تنسحب شرائح واسعة، من صناديق الاقتراع احتجاجا، فإنها لا توقف الآلة، بل تُسلّم مقود التمثيل لمن بقي حاضرا، سواء كان ذلك الحاضر الأنجع تنظيما أو أقدر تعبئة أو أكثر استفادة من شبكات الريع والوساطة التي يزعم المقاطعون أنفسهم رفضها، وهذه هي المفارقة الأخطر، فمن يقاطع احتجاجا على هيمنة شبكات معينة، يترك لهذه الشبكات نفسها هامشا أوسع للفوز، لأن المقاطعة لا تُضعف قدرتها التنظيمية على التعبئة والتصويت العائلي أو الزبوني، بل تُضعف فقط الصوت المنافس المحتمل الذي كان قادرا على موازنتها، فالمقاطعة السياسية المجردة من أي مشروع بديل ليست فعلا محايدا بقدر ما هي من حيث النتيجة العملية، انحيازا غير مقصود لصالح من تملك أصلا أدوات الحضور والتعبئة.
خاتمة: ما لا يُدرك كله لا يُترك جله
لا شك أن للمواطن الحق في نقد الخيارات السياسية، والاحتجاج على مظاهر الريع وضعف الشفافية، وأن العزوف عن التصويت يظل اختيارا شخصيا لا يُختزل في حكم أخلاقي واحد ولا يحق لأحد مصادرته، غير أن المشكلة ليست في مجرد الامتناع الفردي، بل في تحويل المقاطعة إلى استراتيجية سياسية جماعية دون بديل مؤسساتي واضح، فالمقاطعة التي لا تتحول إلى مشروع إصلاحي، ولا تُنتج تنظيما بديلا، ولا تقترح إصلاحا للقواعد الانتخابية، ولا تصورا لتمويل الحياة السياسية، ولا تنخرط في المراقبة والمساءلة من موقع الفعل، تظل أقرب إلى التعبير عن السخط منها إلى فعل سياسي قادر على تغيير موازين القوة.
والسؤال الحقيقي ليس: هل الواقع السياسي يستحق المشاركة؟ بقدر ما يثور السؤال: كيف نحوّل المشاركة نفسها إلى أداة لإصلاح هذا الواقع؟ فإن كان القاسم الانتخابي محل اعتراض، فالمطلوب اقتراح بديل له، وإن كان التقطيع غير عادل فالمطلوب الدفع نحو إصلاحه، وإن كان تمويل الحياة السياسية مثيرا للشبهات، فالمطلوب تعزيز الشفافية والرقابة عليه، وإن كانت الأحزاب تعاني اختلالات في التزكية، فالمطلوب تطوير ديمقراطيتها الداخلية من صلبها، أما الانسحاب من كل ذلك وانتظار أن يتغير الواقع من تلقاء نفسه فهو أشبه بمن يريد تغيير قواعد اللعبة بمغادرة الملعب.
إن انتخابات 23 شتنبر 2026 لن تفرز برلمانا مثاليا ملائكيا طوباويا، وهذا لا يحتاج إلى تنجيم أو كهانة، لكنها ستفرز في كل الأحوال برلمانا قائما، سيشرّع ويراقب ويؤثر في السياسات العمومية التي تمس حياتنا اليومية، من المالية والضريبة إلى الصحة والتعليم والاستثمار، ومن تم فإن الاختيار الحقيقي ليس بين برلمان ملائكي وآخر شيطاني، فهذا تقسيم وهمي لا يعكس طبيعة السياسة ولا منطق المؤسسات، فالاختيار الواقعي هو بين أن نترك المجال لمن يُحسنون استثماره وحده، أو أن ندخله بأدوات النقد والمراقبة والمساءلة لتقليص هامش الخطأ والفساد من داخله لا من خارجه، فالاحتجاج يصبح أكثر أثرا حين يتحول إلى بديل، والمقاطعة تصبح أكثر معنى حين تكون جزءا من مشروع سياسي متكامل، أما المقاطعة بلا بديل، فقد تنتهي على نحو مفارق إلى منح المساحة نفسها لمن يحتج عليهم أصحابها، وفي الديمقراطية لا يكفي أن ترفض من يحكم، الأهم أن تُسهم في بناء شروط أفضل لمن سيحكم ،فالورقة البيضاء احتجاج من داخل العملية، أما الغياب فلا يترك مقعدا شاغرا، وما لا يُدرك كله، لا يُترك جله




