بقلم : المصطفى مندخ
تابعتُ بشغف و تدقيق ما سطرته يد الصديق الفاضل رشيد نجاح في مقاله الأخير ضمن سلسلة «ملاحظات في السياسة» ، و الذي جاء تحت عنوان «الغاية و الوسيلة… مرة أخرى» . و لا يسعني في بداية هذا التعقيب إلا أن أثمن هذا الرقي الفكري و الطرح الهادئ الذي أثث به الأخ رشيد نقاشه ، مؤكداً أن السياسة تفقد أبهى معانيها حين تتحول إلى خصومة شخصية ، و تستعيد عافيتها حين تُدار بلغة الأفكار و مقارعة الحجة بالحجة .
في الواقع ، أجدني متوافقاً توافقا كاملاً مع كل ما طرحه الاخ رشيد في رده ؛ فقد وضع يده على الجرح حين حذر من خطورة تحول “الوسيلة” (المقعد الانتخابي) تدريجياً إلى “غاية” تبتلع الأخلاق و تنسف المبادئ . غير أنني ، و تنويراً للمتلقي و الناخب المغربي المقبل على ولوج معترك “موسم الانتخابات” ، أرى من الواجب التوسع في تفكيك مقولة “الغاية تبرر الوسيلة” و إسقاطها على واقعنا السياسي الراهن ، لتبيان الخيط الفاصل بين ممارستها النبيلة و تطبيقاتها الهدامة .
إن قاعدة “الغاية تبرر الوسيلة” — في بيئتها الفلسفية و السياسية السليمة — ليست شريرة بالضرورة . بل إنها تكون مقولة طاهرة و نبيلة حين يمتلك الفاعل السياسي مشروعاً مجتمعياً متكاملاً ، و مرجعية فكرية واضحة ، و إيديولوجية معروفة المعالم . هنا ، تصبح المناورة السياسية أو التنازل المرحلي وسيلة فرضتها مقتضيات الممارسة العقلانية لخدمة هدف أسمى يتجاوز مكاسب الأشخاص إلى مصلحة الوطن .
لكن المأساة حقيقة تبدأ حين تُطبق هذه القاعدة في بيئة تعاني من ضعاف الوعي السياسي و تستنزفها السيولة الإيديولوجية . فالواقع الراهن يكشف لنا عن نماذج من “المنتخبين” يفتقدون للحد الأدنى من الهوية الفكرية ؛ يعيشون حالة من التيه و التنقل المستمر بين الأحزاب كمن يغير رداءه ، فينتقل المرشح من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، ومن التوجه الديني إلى التوجه الشيوعي دون أدنى حرج سياسي أو أخلاقي و دون إشعار أو إشراك ناخبيه في القرار .
في هذه الحالة بالذات :
تذوب النظريات العلمية و تتلاشى التحليلات السياسية الأكاديمية أمام منطق الانتهازية المحتدم .
تنحل الأخلاق المؤطرة للعمل السياسي لتتحول السياسة من خدمة عمومية إلى تجارة مواقع و مصالح شخصية ضيقة .
تُسخّر المقولة بنطاق سلبي مطلق فتصبح “الغاية تبرر الوسيلة” غطاءً للتدليس ، و شراء للذمم ، و استغلالا لحاجات المواطنين بهدف الحصول على الصوت الانتخابي بأي ثمن .
إن الهدف الأساسي من هذا النقاش مع الأخ رشيد نجاح ليس مجرد ترف فكري ، بل هو ، من زاوية المواطن الغيور ، تنوير و إيقاظ لوعي الناخب المغربي قبل أن تمتد يده إلى صندوق الاقتراع . إن وضع الصوت في المكان الخاطئ ينعكس أولاً بالضرر على المواطن في حياته اليومية ، و ينعكس ثانياً على الوطن برمي مشاريع التنمية الكبرى في طاحونة الهدر و التأخير ، بسبب غياب الكفاءة لدى المشرع ، و افتقار رجالات الصفوف الأولى للرؤية و النزاهة .
إن الانتخابات المقبلة ليست مجرد رقم إحصائي أو توزيع للمقاعد ، بل هي امتحان لوعينا جميعاً ، في غياب الدور التأطيري التوعوي المفترض أن تكون الأحزاب مدارس له . فالديمقراطية الحقيقية تعتمد على ناخب فطن يستطيع التمييز بين مرشح يملك مرجعية و كفاءة و جاء ليخدم الغاية الوطنية ، و بين مرشح جعل من المقعد غايته الأولى و الأخيرة ، مستعداً لخيانة المبادئ قبل أن يصل ، و لتجميد التنمية بعد أن يصل .




