سياسة

الغاية والوسيلة… مرة أخرى».. رشيد نجاح يفتح جولة جديدة من النقاش مع الزميل مصطفى المندخ..

بقلم رشيد نجاح 

الغاية والوسيلة… مرة أخرى
قرأت باهتمام رد الزميل المندخ على ما كتبته في الحلقة السابقة من سلسلة «ملاحظات في السياسة»، وأشكره أولا على أنه اختار أن يناقش الفكرة بالفكرة، لأن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة، والسياسة في نظري لا تستقيم إلا حين نختلف باحترام ونبحث عن الحقيقة بدل البحث عن الانتصار على الآخر.

الزميل يرى أن الوصول إلى المقعد الانتخابي ليس غاية في حد ذاته، وإنما هو وسيلة للوصول إلى مواقع القرار، ومن خلالها يمكن تطبيق البرامج وتحقيق الأهداف. وهذه نقطة أتفق معه فيها من حيث المبدأ.
لكن الإشكال الذي كنت أطرحه، وربما لم أوفق في التعبير عنه بما يكفي، ليس في كون المقعد وسيلة، وإنما في ماذا يحدث عندما تتحول الوسيلة تدريجيا إلى غاية؟

فالسياسي يدخل الانتخابات من أجل خدمة الناس، ثم يصبح الفوز هدفه الأول. وبعد ذلك يصبح الحفاظ على الموقع أهم من البرنامج، وتصبح الشعبية أهم من الكفاءة، وتصبح الحسابات الانتخابية أهم من المصلحة العامة، وقد يصل الأمر إلى تقديم التنازلات التي تتناقض مع المبادئ فقط من أجل ضمان الاستمرار.
وهنا بالضبط يبدأ الخطر.

لقد ارتبط اسم ميكيافيلي في الوعي السياسي بفكرة «الغاية تبرر الوسيلة»، وإن كانت هذه العبارة بهذه الصيغة لا تختصر بدقة كل ما كتبه الرجل. لكن النقاش الذي تثيره الفكرة مهم للغاية: هل يمكن أن تكون الغاية النبيلة مبررا لاستعمال أي وسيلة للوصول إليها؟
في رأيي: لا.

الوصول إلى البرلمان وسيلة، والوصول إلى رئاسة جماعة أو جهة وسيلة، والوصول إلى الحكومة وسيلة… لكن الوسيلة لا تصبح مشروعة لمجرد أنها تقود إلى غاية نعتقد أنها نبيلة.

فالانتخابات، مثلا، ليست مجرد معركة للوصول إلى المقعد. إنها امتحان أخلاقي وسياسي للمرشح والحزب معا. فإذا اضطر المرشح إلى الكذب على المواطنين، أو شراء ولائهم، أو استغلال حاجاتهم، أو تقديم وعود يعلم مسبقا أنه لن يستطيع تنفيذها، فهل يصبح كل ذلك مقبولا فقط لأنه يريد بعد الفوز أن يخدمهم؟

أعتقد أن الجواب واضح.
بل أكثر من ذلك: الطريقة التي يصل بها السياسي إلى السلطة قد تكون مؤشرا مبكرا على الطريقة التي سيمارس بها السلطة بعد الوصول إليها.

ومن هنا أعود إلى فكرتي التي طرحتها في المقال السابق: لا أعتقد أن المشكلة في أن يكون السياسي راغبا في الفوز. الفوز في الانتخابات أمر طبيعي، بل هو شرط لممارسة العمل السياسي من داخل المؤسسات. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الفوز هو القيمة الأعلى، وتصبح المبادئ والبرامج والكفاءة مجرد أدوات لخدمة هذا الفوز.

أما التحالفات السياسية والتنازلات، التي أشار إليها الزميل، فهي بالفعل جزء طبيعي من السياسة الديمقراطية. لا يمكن لأي حزب أن يحكم منفردا في كل الظروف، ولا يمكن للعمل السياسي أن يقوم دائما على التطابق الكامل في المواقف.
لكن هناك فرق كبير بين التنازل السياسي المشروع وبين التنازل عن المبادئ من أجل الموقع.

الأول قد يكون ضروريا لإنجاح تجربة سياسية أو تحقيق مصلحة عامة؛ أما الثاني فيجعل السياسة مجرد عملية للوصول إلى السلطة والمحافظة عليها.

ولذلك أعود إلى السؤال الذي أعتبره جوهر النقاش:
إذا كانت السلطة وسيلة لخدمة المواطنين، فلماذا يصبح الوصول إليها أحيانا أهم من الغاية التي يفترض أنها من أجلها؟
وأعتقد أن هذا السؤال يقودنا أيضا إلى الحلقة السابقة من هذه السلسلة، حين قلت إن معيار اختيار المنتخب ينبغي أن يكون أولا وقبل كل شيء هو الكفاءة.

فإذا اخترنا شخصا لأنه الأكثر شعبية، لا لأنه الأكثر قدرة، ثم ساعدناه على الفوز لأنه يجيد الخطاب واستمالة الناخبين، فماذا نكون قد فعلنا؟
لقد نجحنا في اختيار الوسيلة، وربما نجحنا أيضا في تحقيق الفوز، لكننا قد نفشل في تحقيق الغاية.
وهنا تكمن المفارقة.

قد يفوز السياسي بالانتخابات، لكنه يفشل في إدارة الشأن العام.
وقد يخسر سياسي كفء الانتخابات لأنه لم يكن الأكثر شعبية، بينما يفوز آخر لأنه كان الأكثر قدرة على مخاطبة العواطف.

لذلك فإن الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى انتخابات نزيهة، وإنما تحتاج أيضا إلى ناخب واعٍ يميز بين من يريد المقعد ومن يريد أن يفعل شيئا بالمقعد بعد الحصول عليه.

وفي النهاية، أعتقد أنني والزميل المندخ لسنا مختلفين كثيرا حول أصل الفكرة: المقعد وسيلة وليس غاية.
لكن اختلافي معه هو في السؤال التالي:
أي وسيلة نختار للوصول إلى الغاية؟
ففي السياسة، كما في الحياة، ليست كل الطرق التي تؤدي إلى المكان نفسه متساوية.

هناك طريق يحفظ الكرامة والمبدأ والثقة، وهناك طريق قد يوصلنا إلى الهدف لكنه يترك خلفه كثيرا مما لا ينبغي أن نخسره.
ولهذا أرى أن السياسة الناجحة ليست هي التي تصل إلى السلطة بأي ثمن، وإنما التي تصل إليها دون أن تفقد في الطريق الأسباب الأخلاقية والسياسية التي جعلت الوصول إليها مستحقا أصلا.
والفوز الحقيقي في الانتخابات، في نظري، ليس أن تحصل على أكبر عدد من الأصوات فقط، وإنما أن تحصل على ثقة المواطنين ثم تثبت بعد ذلك أنك كنت جديرا بها.
أما المقعد… فليس إلا وسيلة.
والوسيلة، في السياسة كما في غيرها، يجب ألا تقتل الغاية.

للإشهار على جريدة آراء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
PNFPB Install PWA using share icon

For IOS and IPAD browsers, Install PWA using add to home screen in ios safari browser or add to dock option in macos safari browser

حمل تطبيق آراء الآن