الزميل المندخ يردّ على رشيد نجاح ويقدّم قراءة نقدية لـ«كلام في السياسة”..
في هذا العدد، يتوقف الزميل المندخ عند فقرة «كلام في السياسة» التي يقدمها رشيد نجاح ضمن جريدة «آراء»، مقدماً قراءة نقدية في مضامينها وأفكارها، ومناقشاً بعض الطروحات التي أثارت النقاش
تقديم : قراءة نقدية ورد سياسي .
المقال الذي خطه الصديق رشيد نجاح ، في ” كلام في السياسة ” يتطلب تجاوز النظرة الأخلاقية “المثالية” للعمل السياسي، ومقاربتها من منظور الواقعية السياسية (Political Realism) والفلسفة التأطيرية للمنظومة الانتخابية بالمملكة المغربية.
المقال المطروح يعبر عن “أزمة ثقة” وانطباع انطباعي عام يميل إلى مثالية أفلاطونية للسياسة، بينما الواقع يؤكد أن السياسة في جوهرها هي “فن الممكن” وإدارة القوة والمصالح.
أولاً: قراءة نقدية وسياسية للمقال
التناقض بين المثالية الأخلاقية والواقعية السياسية:
ينتقد المقال تحول الانتخابات من “وسيلة لخدمة المواطن” إلى “غاية للفوز بالمقعد”. واقعياً، ومصداقاً لرواد الفكر السياسي (مثل نيكولو ميكيافيلي)، لا يمكن ممارسة السلطة أو تطبيق البرامج دون الوصول إليها أولاً. الفوز بالمقعد ليس مجرد “شهادة كفاءة”، بل هو الوعاء القانوني الوحيد الذي يمنح السياسي الشرعية والمشروعية للتحرك. بالتالي، استخدام الأدوات المتاحة للفوز يُعد ركناً أساسياً في اللعبة السياسية.
تغييب منطق “المصلحة والتحالفات المتغيرة”:
يفترض المقال وجود مسار خطي يبدأ بالبرنامج وينتهي بالحساب. غير أن العلوم السياسية تقوم على قاعدة: “لا عداوة دائمة، ولا صداقة دائمة، بل مصالح دائمة”. المنتخب بمجرد وصوله للمؤسسة المنتخبة يجد نفسه داخل معادلة أغلبية ومعارضة، مما يفرض عليه تقديم تنازلات وتعديل شعاراته الانتخابية للتوافق مع حلفائه. فالسياسة العملية هي إدارة للمساومات وليست تنفيذاً أعمى لوعود فردية.
ثانياً: تفكيك النص على ضوء فلسفة وقوانين الانتخابات بالمغرب
تتأسس العملية الانتخابية في المملكة المغربية على قواعد دستورية وقانونية صريحة تُعرّف حدود المسؤولية وتؤطر “الغاية والوسيلة”:
القراءة القانونية والفلسفية في التجربة المغربية
ربط المسؤولية بالمحاسبةيُقر الفصل 1 من الدستور المغربي مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”. الوصول للمقعد ليس امتيازاً مطلقاً؛ فالمنتخب محكوم بأجهزة رقابية (المجلس الأعلى للحسابات، القضاء الإداري) تُحاسب على تدبير المال العام والاختصاصات.
فلسفة الأحزاب والبرامجيُلزم القانون التنظيمي للأحزاب السياسية (رقم 29.11) والفصل 7 من الدستور الأحزاب بتأطير المواطنين وتقديم برامج. كما ينص القانون التنظيمي للجماعات الترابية (113.14) على ضرورة إعداد “برنامج عمل الجماعة” في السنة الأولى، مما يحول الوعود الشفوية إلى وثيقة قانونية ملزمة.
نمط الاقتراع وإكراهات الأغلبيةاعتماد نمط الاقتراع اللائحي بالتناسب يعزز التعددية الحزبية، ولكنه يمنع غالباً حزباً واحداً من الحصول على الأغلبية المطلقة. هذا الواقع القانوني يُجبر الفائزين على تبني مبدأ “التنازلات والمصلحة” لتشكيل مجالس وإدارات مستقرة.
ثالثاً: صياغة الرد السياسي (نموذج رد موجه لكاتب المقال)
”إن الطرح الذي يقدمه المقال يلامس تطلعات المواطن المفترضة، لكنه يغفل الطبيعة البنيوية للمنافسة السياسية.
ففي الديمقراطيات الإجرائية، تُعتبر الانتخابات آلية لصراع الإرادات والمصالح وليست جمعية خيرية. القول بأن الفوز أصبح غاية في حد ذاته هو اعتراف ضمني بنجاح الآلية الانتخابية في خلق التنافسية؛ إذ لا يمكن لأي مشروع سياسي أن يرى النور دون التواجد داخل المؤسسات.
إن السياسي الناجح هو من يجمع بين ‘الغاية’ (تطبيق الرؤية) و’الوسيلة’ (الوصول إلى المقعد بالآليات المشروعة)، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تقلب التحالفات وتغير الظروف ليس ‘تخلياً عن الأمانة’، بل هو قمة العقلانية السياسية لإنجاز الممكن في حدود الصلاحيات التي يحددها القانون التنظيمي.
الرهان الحقيقي ليس في مطالبة السياسي بأن يكون زاهداً في السلطة، بل في تفعيل أدوات المحاسبة القانونية والشعبية وتطوير أدوات الرقابة بين الاستحقاقات الانتخابية.”




