سياسة

د. بنطلحة الدكالي: الشراكة المغربية المالية تعكس انتقال الدبلوماسية الوطنية إلى موقع الفاعل المبادر..

دشّنت الشراكة الإستراتيجية بين المملكة المغربية وجمهورية مالي مرحلة نوعية جديدة تتجاوز أطر التنسيق السياسي التقليدية نحو تعاون مؤسساتي متكامل وملموس.

وجاء انعقاد الدورة الرابعة للجنة المشتركة الكبرى للتعاون في باماكو خلال الفترة الممتدة ما بين 21 و 26 يوليوز 2026 ليعطي زخماً متسارعاً لهذه العلاقات الثنائية، تماشياً مع الرؤية المشتركة لقائدي البلدين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس ورئيس الفترة الانتقالية لجمهورية مالي الجنرال أسيمي غويتا.

وفي هذا الصدد، يقدّم محمد بنطلحة الدكالي، أستاذ علم السياسة والسياسات العمومية ومدير المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء، قراءة تحليلية ترصد أبعاد هذا التحول الدبلوماسي الوطني وإسقاطاته التنموية والسياسية في المنطقة.

تحول بنيوي من مقاربة رد الفعل إلى المبادرة الاستباقية

يوضح محمد بنطلحة الدكالي أن الدبلوماسية المغربية لم تعد تُفهم بمعاييرها التقليدية القائمة على مجرد تدبير العلاقات الثنائية أو الاكتفاء بالحضور في المحافل الدولية، بل أصبحت تعبيراً عن إعادة تموقع إستراتيجي مدروس داخل بيئة دولية معقدة ومتحركة.

ويؤكد الدكالي أن هذا التحول يستند إلى قدرة الدولة على توجيه أدواتها المتنوعة نحو هدف واضح ومتماسك يخدم تعزيز موقعها إقليمياً ودولياً، وفي طليعته القضية الوطنية الأولى، قضية الصحراء المغربية، التي تشكل المحور الأساسي لمختلف خيارات السياسة الخارجية للمملكة.

ويشير أستاذ علم السياسة، في حديثه مع موقع القناة الثانية إلى أن التحرك الدبلوماسي المغربي بات يعتمد على تراكم محسوب للمبادرات الاستباقية عوضاً عن منطق ردود الأفعال أو الانتظار، مما مكّن من إنتاج معطيات واقعية جعلت من الأطروحة المغربية مرجعاً عملياً وحيداً في التعاطي الدولي مع النزاع الإقليمي. وقد انعكس هذا المسار الاستباقي في التغير التدريجي لمواقف عدد متزايد من الدول التي باتت تتبنى مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتنفيذ لحل هذا الملف.

التنمية بالجنوب وتنويع الشركاء الدوليين كقوة دفع للدبلوماسية

ويربط مدير المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء بين هذا التطور الدبلوماسي وميزان القوة على الأرض؛ إذ تشهد الأقاليم الجنوبية للمملكة دينامية تنموية مستمرة تجسد السيادة الوطنية كواقع ملموس يربط بشكل مباشر بين القرار السياسي والتحول الاقتصادي والاجتماعي.

ولا تنحصر قوة الدبلوماسية المغربية في ملف الصحراء فحسب، بل تمتد لتشمل الحفاظ على توازن دقيق في العلاقات الدولية يقوم على تنويع الشركاء وتجنب الارتهان لمحور واحد، وهو ما يمنح الشركاء صورة واضحة لدولة ثابتة على مواقفها السيادية وتدير علاقاتها ببراغماتية ومرونة موازية.

وفي السياق ذاته، برزت الدبلوماسية الاقتصادية كرافعة رئيسية لتحويل الموقع الجغرافي المتميز للمغرب إلى مصدر لإنتاج القيمة، بفضل الاستثمارات الكبرى والبنى التحتية التي جعلت من المملكة نقطة وصل محورية بين أوروبا وإفريقيا والفضاء الأطلسي، مما يرفع الكلفة السياسية والاقتصادية لأي محاولة لتجاوز الشراكة مع المغرب.

الأبعاد الإقليمية للمبادرة الأطلسية وتمتين العلاقات المغربية المالية

وينقل محمد بنطلحة الدكالي هذا المنظور الإستراتيجي إلى الساحة الإقليمية، مستشهداً بالمبادرة الملكية الرامية لتمكين دول منطقة الساحل الإفريقي من الولوج إلى المحيط الأطلسي، حيث يرى فيها تعبيراً عن دبلوماسية تسعى لإعادة تشكيل محيطها الإقليمي عبر طرح حلول عملية لمعضلات جيوسياسية واقتصادية معقدة.

وتتلاقى هذه الرؤية مع الدينامية المتصاعدة للعلاقات بين المغرب ومالي على الصعيدين السياسي والتنموي؛ إذ تواصل المملكة تعزيز الرأسمال البشري لجمهورية مالي عبر مبادرات عملية، منها تسليم السلطات المالية لـ”مركب محمد السادس للتكوين المهني” بباماكو المخصص لتكوين الكفاءات الشابة في قطاعات البناء، والأشغال العمومية، والفندقة، والسياحة، والمطعمة، بموازاة الدعم السياسي المتجدد من مالي لمبادرة الحكم الذاتي والوحدة الترابية للمملكة.

ويؤكد الدكالي أن اجتماع باماكو يمثل محطة نوعية تنقل الشراكة الثنائية من التنسيق السياسي الكلاسيكي إلى تعاون مؤسساتي تنفيذي ملموس، مبرزاً أن إعادة تفعيل “مجلس الأعمال المغربي المالي” تمنح هذه العلاقات بعداً مؤسساتياً دائماً.

ويتجلى تماسك هذا المسار الدبلوماسي في التداخل الوثيق بين الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية، حيث تدعم القاعدة الاقتصادية المواقف السياسية، وترتكز بدورها على بيئة أمنية مستقرة وصورة ثقافية إيجابية، مما يجعل استقرار المغرب ونجاحه امتداداً مباشراً لمصالح شركائه الإقليميين.

الرؤية الملكية السامية والانتقال إلى موقع الفاعل الموجه

ويختم أستاذ علم السياسة والسياسات العمومية تحليله بالإشارة إلى الدور المركزي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس في منح الدبلوماسية الوطنية نفساً إستراتيجيًا طويل المدى يتميز بالوضوح والاستمرارية والثبات.

وسمح هذا التوجيه الملكي بالانتقال من السياسات الخارجية الظرفية إلى دبلوماسية تراكمية تجمع بين البعد الإفريقي والامتداد الأطلسي، وتترجم السيادة الوطنية إلى مشاريع تنموية ميدانية.

وبناءً على هذه المعطيات، يؤكد الدكالي أن ما يتبلور اليوم يتجاوز مجرد تحسن للأداء الدبلوماسي الثنائي مع الدول الإفريقية، بل يشير إلى إعادة تشكيل تدريجية ومستمرة لموقع المغرب ضمن التوازنات الإقليمية والدولية كفاعل مبادر ومشارك في توجيه التحولات الدولية، مستنداً في ذلك إلى رصيد من الاستقرار، والمصداقية، والقدرة على خلق القيمة المشتركة.

للإشهار على جريدة آراء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
PNFPB Install PWA using share icon

For IOS and IPAD browsers, Install PWA using add to home screen in ios safari browser or add to dock option in macos safari browser

حمل تطبيق آراء الآن