بقلم محمد نماد
يشهد قطاع استيراد الدراجات النارية في المغرب أزمة متفاقمة، بعدما وجد عدد من مستوردي دراجات “ياماها تروا” اليابانية، التي تقل سعتها عن 50 سنتيمتراً مكعباً، أنفسهم أمام جدار إداري صلب. فقد رفضت الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (NARSA) ترقيم مركبات تم استيرادها بشكل قانوني، رغم أداء جميع الرسوم والضرائب الجمركية المستحقة، ما حوّل هذه الدراجات من سلع قانونية إلى عبء مالي وتشغيلي يهدد بعض التجار بالإفلاس.
ولم تقتصر تداعيات الوضع على الخسائر المادية، بل أثارت جدلاً واسعاً حول حدود المسؤولية الإدارية، ومبدأ الأمن القانوني، وأهمية حماية حقوق المستثمرين في مناخ اقتصادي يقوم على الشفافية والوضوح.
وبحسب معطيات التجار، فقد سمحت إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة بدخول هذه الدراجات إلى التراب الوطني بعد مراقبة الوثائق واستيفاء كافة الرسوم، وهو ما اعتبره المستوردون دليلاً على سلامة الإجراءات وشرعيتها. غير أن المفاجأة كانت عند التوجه إلى NARSA لاستكمال مسطرة الترقيم، حيث تم رفض تسجيل المركبات بدعوى عدم استيفائها شروط المطابقة التقنية المعمول بها، خاصة ما يتعلق بالمعايير الوطنية للسلامة والبيئة.

ويؤكد المستوردون أن تعديل هذه الدراجات تقنياً أمر صعب، إن لم يكن مستحيلاً، مشيرين إلى أنها أقل قدرة على السرعة، وبالتالي أقل عرضة للتسبب في حوادث السير مقارنة ببعض الدراجات منخفضة الجودة المنتشرة في السوق. وهو ما يطرح، حسب تعبيرهم، تساؤلات حول منطقية رفض الترقيم بعد استيفاء جميع الإجراءات الجمركية. كما يرون أن الحل القانوني الأكثر عدلاً كان يقتضي منع أي استيراد جديد بعد صدور القرار، بدل تطبيق تشدد إداري بأثر عملي على مركبات دخلت البلاد مسبقاً.
هذا التباين بين مرحلتي الاستيراد والترقيم وضع التجار في وضعية حرجة؛ فالمركبات قانونية من حيث دخولها، لكنها غير قابلة للاستعمال على الطريق العمومي. وأكد المتضررون أنهم راسلوا الجهات المعنية وطلبوا توضيحات وتسوية، دون تلقي رد عملي، في وقت تتراكم فيه عشرات المركبات داخل المستودعات، وتتزايد الالتزامات المالية من كراء وديون، ما يهدد بعضهم فعلياً بالإفلاس.
ويرى خبراء قانونيون أن هذه الأزمة تكشف عن خلل في وضوح القواعد التنظيمية واستقرارها، إذ يقتضي مبدأ الأمن القانوني تمكين المستثمرين من رؤية واضحة قبل ضخ أموالهم، وعدم تطبيق تأويلات جديدة بأثر رجعي على عمليات تمت بحسن نية. وفي المقابل، تؤكد الجهات المكلفة بسلامة السير أن مسطرة الترقيم تخضع لمعايير تقنية دقيقة لضمان مطابقة المركبات لشروط السلامة والبيئة، غير أن ذلك – بحسب متابعين – لا ينبغي أن يتحول إلى شطط إداري يمس الحقوق المكتسبة للتجار الذين تصرفوا في إطار القانون.
وفي ظل هذه الظروف، يجد المستوردون أنفسهم أمام مسؤوليات مالية ومهنية جسيمة، مطالبين بحل توافقي يراعي خصوصية الدراجات التي دخلت البلاد سابقاً، ويضمن معالجة انتقالية تحفظ الحقوق المكتسبة دون المساس بمتطلبات السلامة الطرقية. فالرهان اليوم لا يتعلق فقط بترقيم دراجات متوقفة، بل بثقة الفاعلين الاقتصاديين في وضوح المساطر الإدارية، وقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين الصرامة التنظيمية والإنصاف، وضمان عدم ضياع حقوق مستثمرين تصرفوا بحسن نية.
مقترحات عملية لحل الأزمة
يقترح خبراء ومستوردون عدداً من الحلول العملية لتجاوز هذه الوضعية:
1. منح ترخيص مؤقت واستثنائي لترقيم المركبات التي دخلت البلاد قبل صدور القرار الجديد، مع تطبيق المعايير التقنية حصراً على الواردات اللاحقة.
2. تمكين التجار من إجراء تعديلات تقنية بسيطة تتيح المطابقة مع المعايير الوطنية بدل المنع النهائي.
3. إحداث قناة تواصل رسمية وسريعة بين التجار وNARSA لمعالجة طلبات التسوية وتقديم التأطير القانوني.
4. مراجعة القواعد التنظيمية لضمان وضوحها واستقرارها وتفادي أي تطبيق بأثر رجعي يمس الحقوق المكتسبة.
5. الاستفادة من تجارب دولية في ترقيم الدراجات الصغيرة، عبر اعتماد شهادات مطابقة دولية لبعض الطرازات.
إن اعتماد مثل هذه الإجراءات من شأنه إعادة الثقة في المساطر الإدارية، وحماية المستثمرين الذين تصرفوا بحسن نية، وضمان ألا تتحول الصرامة التنظيمية إلى سبب مباشر في إفلاس مقاولات صغيرة ومتوسطة




