آراءسياسة

الدكتور مبارك يكتب ..” اللايك لا يذهب الى صندوق الاقتراع”

من الإعلانات الممولة إلى «واتساب».. كيف تُدار المعركة الانتخابية المغربية خلف الشاشات؟

آراء 

اقتربت الاستحقاقات التشريعية المقبلة، حتى تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى واحدة من أبرز ساحات التنافس بين الأحزاب المغربية، في مشهد يكشف عن تغير واضح في أدوات وأساليب خوض الحملات الانتخابية، بعدما لم يعد حضور المرشح أو الحزب مقتصراً على التجمعات واللقاءات الميدانية، بل امتد إلى خوارزميات المنصات الرقمية ومجموعات التواصل المغلقة.

واستناداً إلى قراءة يقدمها الدكتور رضوان مبارك، الأستاذ والباحث في التسويق الرقمي بجامعة القاضي عياض مراكش، فإن المشهد الانتخابي الرقمي بالمغرب يبدو وكأنه يتحرك بين مدرستين مختلفتين في تدبير الحضور على مواقع التواصل الاجتماعي؛ الأولى تقوم على التسويق الممول، بما يعنيه ذلك من ضخ ميزانيات إعلانية كبيرة لضمان انتشار المحتوى والوصول إلى أكبر عدد ممكن من المستخدمين، فيما تراهن الثانية على الانتشار العضوي، من خلال شبكات المتعاطفين والمتابعين وقدرتهم على تداول المحتوى وإنتاج النقاش حوله بشكل تلقائي.

ويبرز حزب التجمع الوطني للأحرار، وفق هذه القراءة، كأحد أبرز نماذج الرهان على التسويق الممول، حيث تتحول المنصات الرقمية إلى فضاء واسع لإيصال الرسائل السياسية وصناعة حضور مستمر أمام المستخدمين. غير أن الوصول الواسع لا يعني بالضرورة تفاعلاً سياسياً عميقاً، إذ قد تحقق الإعلانات أرقاماً مرتفعة من حيث المشاهدة والانتشار، دون أن تنجح بالضرورة في تحويل هذا الحضور إلى قناعة انتخابية أو تعبئة ميدانية.

وفي المقابل، يظهر حزب العدالة والتنمية نموذجاً مختلفاً يقوم بدرجة أكبر على قوة الشبكات البشرية والانتشار العضوي للمحتوى، حيث يلعب المتعاطفون والأنصار دوراً أساسياً في إعادة نشر الرسائل السياسية وتوسيع دائرة النقاش حولها، بما يمنح المحتوى قدرة أكبر على صناعة الجدل والتفاعل، بعيداً عن منطق الإعلان المدفوع وحده.

ولكن المعركة الحقيقية، بحسب هذه المقاربة، لا تكمن في الاختيار بين التسويق الممول والانتشار العضوي، بقدر ما ترتبط بقدرة الأحزاب على الجمع بين العالمين الرقمي والميداني ضمن استراتيجية متكاملة. فالمنصات الرقمية قادرة على بناء الصورة، وتوسيع دائرة الوصول، وتوجيه النقاش، لكنها تظل عاجزة عن ضمان التصويت ما لم يتحول التفاعل الافتراضي إلى حضور والتزام في الواقع.

وهنا تبرز مفارقة أساسية في الانتخابات الحديثة: أكثر المحتويات انتشاراً على فيسبوك أو إنستغرام ليست بالضرورة الأكثر تأثيراً في صناديق الاقتراع. فالإعجاب والمشاركة والمشاهدة مؤشرات على الحضور الرقمي، لكنها لا تشكل في حد ذاتها مؤشرات حاسمة على السلوك الانتخابي.

ويشير الدكتور رضوان مبارك، في هذا السياق، إلى عنصر أكثر حساسية يتمثل في ما يعرف بـ«Dark Social»، وعلى رأسه تطبيق واتساب، حيث تنتقل الرسائل والصور ومقاطع الفيديو داخل مجموعات عائلية ومهنية وصداقات مغلقة، بعيداً عن مؤشرات التفاعل العلني التي يمكن رصدها على المنصات المفتوحة.

وتكمن قوة هذا النوع من التواصل في عنصر الثقة؛ فالرسالة التي تصل إلى الناخب من شخص يعرفه ويثق به قد تكون أكثر تأثيراً من إعلان سياسي يظهر أمامه عشرات المرات على شاشة هاتفه. وهكذا تنتقل المعركة من محاولة كسب «اللايك» إلى محاولة التأثير في القناعة داخل الدوائر الاجتماعية الصغيرة التي يصعب قياسها أو مراقبتها رقمياً.

وفي هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي أمام الأحزاب والمرشحين ليس: من يملك أكبر عدد من المتابعين؟ ولا من ينفق أكثر على الإعلانات؟ وإنما من يمتلك القدرة على تحويل هذا الحضور الرقمي إلى تعبئة انتخابية فعلية، ومن يستطيع ربط الرسالة التي تظهر على شاشة الهاتف بالوجه الذي يلتقيه الناخب في الحي والدوار والسوق واللقاء الانتخابي.

وقد تكون هذه هي الخلاصة الأبرز في انتخابات 2026: المعركة الرقمية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحملة الانتخابية، لكنها ليست بديلاً عن الميدان. فبينما تستطيع الخوارزميات أن تضمن الوصول، تظل شبكة العلاقات والثقة والعمل الميداني هي القادرة على تحويل الوصول إلى موقف، والموقف إلى التزام، والالتزام في النهاية إلى صوت داخل صندوق الاقتراع.

فاللايك لا يذهب إلى صندوق الاقتراع.. والسؤال ليس من تصدر شاشات المغاربة، بل من استطاع أن يحول حضوره خلف الشاشة إلى حضور أمام صندوق التصوي

للإشهار على جريدة آراء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
PNFPB Install PWA using share icon

For IOS and IPAD browsers, Install PWA using add to home screen in ios safari browser or add to dock option in macos safari browser

حمل تطبيق آراء الآن