الدكتور النخلي يكتب..قصص من الواقع (1) حكاية الجني الذي حاول الالتفاف على تعليمات النيابة العامة
الدكتور محمد نخلي
محامي بهيئة مراكش
أثناء ممارستي لمهنة المحاماة، اعترضتني، من دون سابق إنذار، وقائع عجيبة، لو حكاها أمامي غيري لظننت أنه يضيف إليها شيئاً من خياله.
غير أنني أدركت، مع مرور السنوات، أن هذا هو قدر المحامين جميعاً؛ فالمحاماة لا تقف عند تقاطع القانون والقضاء فحسب، بل توجد في مفترق طرق واسع تمر منه تناقضات المجتمع كلها: العقل والخرافة، الثقة والخيانة، الخوف والطمع، وما يختبئ في أعماق الناس من معتقدات دينية وثقافية وأنثروبولوجية.
ومن بين تلك الوقائع قصة رجل سأطلق عليه اسم أحمد، جمعني به أحد الملفات ذات يوم، لا بصفتي محامياً عنه، وإنما محامياً للطرف الآخر.
كان موكلي تاجراً معروفاً في مجال بيع مواد البناء بالجملة؛ رجلاً عملياً، قليل الكلام، لا يحب المحاكم ولا الخصومات، لكنه يعرف، بحكم خبرته، أن الثقة في عالم التجارة لا تكفي دائماً لحماية الحقوق.
سلّمني ذات صباح شيكاً بمبلغ خمسة ملايين درهم، كان أحمد قد سلّمه إليه في إطار معاملة تجارية، ثم تبيّن، بعد تقديمه إلى البنك، أنه بدون رصيد.
وضع الشيك أمامي وقال:
— أريد استخلاص المبلغ، ولكن حاول، قدر الإمكان، أن تحافظ على العلاقة بيني وبين الساحب. فأنا أتعامل مع السي أحمد منذ سنوات طويلة، ولا أرغب في أن ينتهي كل شيء بالسجن والمحاكم.
كان كلامه يحمل صرامة الدائن، ولكن أيضاً شيئاً من وفاء التجار القدامى، الذين كانوا يعتقدون أن العلاقات التجارية لا تُقاس فقط بما كُتب في الأوراق، بل أيضاً بما تراكم بين الناس من ثقة وعلاقات طيبة.
بدأت، بناءً على رغبته، بسلوك الطريق الودي.
وجهت إلى ساحب الشيك إنذاراً بالأداء، ومنحته أجلاً معقولاً لتسوية وضعيته. غير أن الإنذار بقي دون جدوى؛ فلا المبلغ أُدّي، ولا توصلنا بأي اقتراح جدي لتقسيطه.
وبعد انقضاء الأجل، لم يعد أمامنا سوى سلوك الطريق القضائي.
تقدمت بشكاية إلى السيد وكيل الملك من أجل إصدار شيك بدون رصيد. وكما جرت العادة في مثل هذه الملفات، أُحيلت الشكاية على الشرطة القضائية، التي باشرت إجراءات البحث عن الساحب واستدعائه قصد تقديمه أمام النيابة العامة.
كان ذلك قبل صدور المقتضيات القانونية الجديدة التي تمنح ساحب الشيك فرصة أوسع لتسوية وضعيته وأداء المبلغ المستحق. أما في ذلك الوقت، فقد كان خطر الاعتقال يظل قائماً بمجرد تحريك المسطرة. وفي هذه القضية، صدرت تعليمات النيابة العامة بإلقاء القبض على أحمد وتقديمه أمامها.
وفي صباح هادئ، بينما كنت منهمكاً في مراجعة بعض الملفات، أخبرتني مساعدتي بأن رجلاً يصر على مقابلتي.
دخل عليّ رجل في أواسط الأربعينيات، متوسط القامة، يرتدي بدلة داكنة فقدت شيئاً من أناقتها من فرط الاستعمال. كانت عيناه قلقتين، وحركات يديه مضطربة، كأنهما تبحثان باستمرار عن شيء تتشبثان به.
جلس أمامي على حافة الكرسي، وبقي لحظات ينظر إلى الأرض، قبل أن يقول:
— أنا أحمد… صاحب الشيك.
رفعت رأسي وتأملته جيداً. لم يكن يبدو محتالاً محترفاً، ولا رجلاً استولى على أموال الناس ثم مضى غير عابئ بما فعل. كان أقرب إلى مقاول أرهقته الأشهر الأخيرة، وبدأت ديونه تظهر على وجهه قبل أن تظهر في دفاتره.
علمت منه أنه اعتاد التعامل مع موكلي منذ سنوات، وأنه حصل، قبل مدة، على عدد من الأوراش العمومية. نفّذ الأشغال، ودفع أجور العمال، واشترى المواد، وأوفى بالتزاماته تجاه الموردين، لكنه ظل ينتظر مستحقاته لدى الإدارة.
وحين تكون الدولة هي المدين، فإن انتظار الدائن قد يطول أكثر مما تسمح به خزينة المقاولة.
تأخر الأداء، واتسعت الفجوة في حساباته، ثم تحولت الفجوة إلى شرخ كبير دفع بمقاولته إلى حافة الإفلاس.
بدأ أحمد يشرح ويبرر ويستعطف. كان صوته يرتفع حين يتحدث عن مستحقاته لدى الإدارة، ثم ينخفض فجأة حين يصل إلى الشيك الذي سلّمه لموكلي.
قال:
— لا أنكر الدين، ولا أتهرب من أدائه. أطلب فقط مهلة. ثلاثة أشهر، وسأؤدي المبلغ كاملاً.
اتصلت بموكلي وشرحت له الوضع.
لم يتردد طويلاً، ووافق على منحه أجلاً إضافياً للوفاء.
وبناءً على هذه الموافقة، توجهت إلى مكتب السيد وكيل الملك، ملتمساً منه إعطاء تعليماته بالتريث مؤقتاً في تنفيذ أمر إلقاء القبض، لعل الساحب يبادر إلى الأداء.
ونظراً إلى أهمية المبلغ، مُنح ساحب الشيك مهلة إضافية قدرها ثلاثة أشهر.
غادر أحمد مكتبي يومها وهو يكرر عبارات الشكر والامتنان، ويقسم أن الدين سيُؤدى قبل انتهاء الأجل، وأنني لن أحتاج إلى الاتصال به أو البحث عنه.
مرت الأيام.
ثم انقضت الأسابيع.
وانتهت الأشهر الثلاثة، دون أن يظهر أحمد أو يظهر معه شيء من المبلغ.
انتظرنا شهراً رابعاً، ثم خامساً.
لا اتصال، لا رسالة، لا اقتراح بالأداء، ولا حتى اعتذار صغير يمكن أن يحفظ للرجل بعضاً من صدقيته.
بدأ صبر موكلي ينفد، وبدأنا نفكر جدياً في إعادة تحريك الشكاية، بعد أن تبيّن أن اليد التي امتدت إلى أحمد بالمهلة لم يقابلها إلا بالصمت والاختفاء.
وفي صباح أحد الأيام، أوقفت سيارتي غير بعيد عن مكتبي، وبينما كنت أهم بعبور الشارع، وقع بصري على رجل يجلس في أحد المقاهي.
كان أحمد، ساحب الشيك المعلوم.
لكن أحمد الذي رأيته لم يكن هو الرجل المنهك الذي دخل مكتبي قبل أشهر، يحمل الخوف في عينيه ويجلس على حافة الكرسي.
كان هذه المرة مسترخياً وأنيقاً، يضع نظارة شمسية فوق رأسه، وأمامه فنجان قهوة وكأس ماء بارد. وكان محاطاً بعدد من أصدقائه، يتبادلون النكات والقهقهات، بينما يرتشف قهوته في سعادة لا توحي أبداً بأن أمراً بإلقاء القبض عليه ينتظره في أحد الملفات.
وما إن التقت عيناي بعينيه حتى نهض واقفاً ليسلم عليّ.
بادلته السلام وقلت:
— أهلاً السي أحمد، كيف حالك؟ أراك هنا، ونحن لا نزال ننتظر أن تفي بما وعدت به.
لم يبدُ عليه أي ارتباك.
تابعت:
— أذكّرك فقط بأن موكلي منحك مهلة ثلاثة أشهر لأداء ما بذمتك. وقد انقضت المهلة منذ شهرين، ولا خبر عنك ولا أثر للأداء. لقد بدأ صبر موكلي ينفد، وليس بعيداً أن يطلب مني تحريك الشكاية وما قد يترتب عنها من نتائج.
نظر إليّ لحظة، ثم انفجر ضاحكاً حتى بدت أسنانه كلها.
قال:
— إذن… أنت لا تعلم ماذا وقع!
سألته:
— وما الذي وقع؟
اقتربت من الطاولة، بينما كان أصدقاؤه يتابعون حديثنا بفضول.
قلت:
— هل أودعت المبلغ بصندوق المحكمة؟
أجاب بنبرة من استغرب سؤالي:
— لا.
— هل توصلت إلى اتفاق مع موكلي من دون علمي؟
— أبداً.
— إذن، ما الذي تعنيه بقولك إنني لا أعلم ماذا وقع؟
أشار إليّ بأن أقترب أكثر، ثم انحنى نحوي، كأنه سيطلعني على سر من أسرار الدولة، وخفض صوته قائلاً:
— الملف انتهى.
قلت:
— أي ملف؟
— ملف الشيك… ملف الشكاية كله. انتهى ولم يعد موجوداً.
تأملته للحظات، ثم سألته:
— وكيف انتهى؟
نظر يميناً ويساراً، وتأكد من أن أحداً لا يتنصت علينا، ثم قال بمنتهى الجدية:
— التقيت فقيهاً عالماً بأسرار الجن.
انتظرت أن يبتسم أو يغمز بعينه، لكنه واصل حديثه باليقين نفسه:
— جاء إلى منزلي قبل أيام، في منتصف الليل. أشعل البخور، ووضع المجمر أمامه، وبدأ يقرأ آيات وأذكاراً لا أعرفها. وبعد وقت طويل، تغيّر صوته وبدأ يتحدث مع الجن.
قلت، وأنا أحاول معرفة ما إذا كان الرجل يمزح معي:
— وماذا طلب منهم؟
أجاب:
— أمرهم بإحضار ملف الشكاية من المحكمة.
توقفت الكلمات لحظة بيننا، بينما ظل هو ينظر إليّ، في انتظار أن أستوعب عظمة ما تحقق.
ثم تابع:
— لم يكن الأمر سهلاً. فالجني المكلّف بالمهمة وجد صعوبة كبيرة، لأن الملف كان محروساً. لكن، ببركة الفقيه، وبعد جهد جهيد، أحضره في النهاية.
سألته:
— أحضر ماذا بالتحديد؟
قال:
— أحضر الملف كله: الشكاية، والشيك، والمحاضر… كل شيء. حتى نسختك من الشكاية، يا أستاذ، كانت بداخله!
وأشار بيديه إلى حجم الملف، كأنه ما زال يراه أمامه.
ثم تابع:
— سلّمني الجني الملف بيدي، وأمرني الفقيه أن أحرقه بنفسي في المجمر. وهذا ما فعلت. بقيت أراقبه حتى صار رماداً.
قلت له:
— السي أحمد، أنت تمزح.
وضع يده على صدره، وقال بلهجة قاطعة:
— والله العظيم لا أمزح. الملف انتهى نهائياً.
ثم أضاف، وهو يسند ظهره إلى كرسيه في اطمئنان:
— ولم تكلفني العملية كلها سوى عشرة في المائة من مبلغ الشيك.
نظرت إليه بدهشة وقلت:
— تقصد أنك دفعت خمسمائة ألف درهم مقابل هذه الخدمة؟
أجاب مفتخراً:
— وهل تظن أن إخراج ملف من المحكمة بواسطة الجن أمر مجاني؟
ثم زاد مازحاً، وهو يضحك:
— ومع ذلك، فقد كان أرخص مما كان سيطلبه مني المحامي!
وابتسم ابتسامة المنتصر، قبل أن يقول بالدارجة:
— إيوا سير سول على راسك أولدي… الملف ما بقى منّو والو!
وقبل أن أبتعد، استدرك قائلاً بنبرة ملؤها السخاء:
— ومع ذلك، لا أريد أن يضيع عملك، وأنا مستعد أن أعطيك «شي بركة ديال الأتعاب»؛ فقد ساعدتني على الحصول على مهلة للأداء، إلى أن أتى الله بالفرج النهائي على يد الفقيه!
كان يتحدث بيقين كامل. لم يكن في وجهه ما يوحي بأنه يسخر مني، بل كان يبدو مقتنعاً بأنه استطاع، بمساعدة الفقيه والجن، أن يهزم الشكاية والقانون والنيابة العامة دفعة واحدة.
غادرت المقهى، لكن كلماته ظلت تدور في رأسي.
لم أصدق، بالطبع، أن جنياً اقتحم المحكمة، وبحث بين الرفوف، ثم حمل الملف إلى منزل أحمد. غير أن فرضية أخرى، أكثر واقعية وأشد خطورة، بدأت تساورني:
ماذا لو أن الفقيه لم يكن سوى وسيط؟
وماذا لو أن خمسين مليون سنتيم لم تُدفع للجن، بل لإنسي استطاع، بطريقة ما، أن يصل إلى الملف ويسحبه من رفوف المحكمة؟
كان الأمر يبدو من قبيل المستحيلات السبع، لكن مهنة المحاماة علمتني ألا أطمئن كثيراً إلى المستحيلات حين يتعلق الأمر بالمصالح والأموال.
رجعت فوراً إلى سيارتي، وانطلقت في زيارة مستعجلة إلى مكتب السيد وكيل الملك.
استقبلني بحرارة، فقلت له:
— سيدي وكيل الملك، جئت لألتمس منكم العدول عن طلب التريث الذي سبق لي أن تقدمت به في إطار الشكاية من أجل إصدار شيك بدون رصيد. لقد انتهت المهلة الممنوحة للساحب، ولم يفِ بوعده.
لم أخبره، في البداية، بقصة الفقيه أو الجني. كنت أريد، قبل كل شيء، أن أطمئن إلى أن الملف ما زال في مكانه.
استدعى كاتب النيابة العامة وقال له:
— أحضر لي ملف الشكاية المتعلقة بالشيك.
غادر الكاتب المكتب.
مرت دقيقة.
ثم ثانية.
ثم امتدت الدقائق القليلة في ذهني كأنها ساعات.
كنت أراقب الباب في صمت، وأحاول ألا أظهر قلقي. وللمرة الأولى في حياتي المهنية، وجدتني أنتظر ملفاً قضائياً وأنا أتساءل بجدية إن كان قد سبقني إليه جنيّ في منتصف الليل.
وأخيراً، فُتح الباب.
دخل الكاتب يحمل الملف بين يديه.
كان كاملاً بأوراقه ومحاضره، والشيك مرفق به.
تنفست الصعداء.
وُضع الملف أمام السيد وكيل الملك، فاطلع عليه، ثم أصدر تعليماته بإعادة تحريك المسطرة وتنفيذ التعليمات الصادرة بإلقاء القبض على الساحب.
وبعد مدة قصيرة، أُلقي القبض على أحمد وقُدّم أمام العدالة، ثم صدر الحكم عليه بالعقوبة الحبسية وبأداء المبلغ المستحق.
أما الفقيه، فقد اختفى ومعه خمسون مليون سنتيم، من دون أن يعيد إلى أحمد لا الملف ولا المال، ولا حتى شيئاً من البخور.
وبعد أن انتهت الإجراءات، قلت للسيد وكيل الملك:
— الآن، اسمح لي أن أحكي لك قصة الجني الذي حاول الالتفاف على تعليمات النيابة العامة…
استمع إليّ، ثم ابتسم وقال:
— يبدو أن جنّ صاحبنا متخصص في أخذ الأموال، لا في أخذ الملفات.
وهكذا اكتشف أحمد، ولكن بعد فوات الأوان، أن من يزعمون تسخير الجن قد ينجحون في إحراق البخور، وقد ينجحون أكثر في إحراق جيوب زبائنهم؛ لكنهم لا يستطيعون، مهما بلغت براعتهم، إحراق ملف محفوظ في رفوف النيابة العامة، ولا استحضار مؤونة لشيك بدون رصيد.
أما الملف، فقد بقي في مكانه.
وأما ما اختفى فعلاً…
فخمسون مليون سنتيم.
دمتم بخير،
وإلى لقاء آخر.




